الثلاثاء، 28 يوليو 2020

أسهل الطرق لتعلم اللغات …ال5 آليات لإكتساب المهارة اللغوية …الآليات الخمس لاكتساب المهارات اللغويّة

 

د. زعطوط حسين

جامعة ورقلة

الملخص

إنّ تعلّم لغة ما يحتاج إلى آليات , وهذه الآليات تختلف باختلاف تصوّر التّعلّم , ويظهر لي أن الآليات الفعالة لتعليم لغة ما تحدّدها عوامل خمس , وهذه العوامل منها ما له علاقة مباشرة بالذهن , لأنّ اللغة قبل أن تكون أداة للتوصل هي وسيلة صوتية مكتسبة , تخضع في اكتسابها إلى تصور معاني الأشياء ثم إسناد هذه المعاني في الذهن أولا لتتشكل في قوالب تركيبية صوتية لغوية تواصلية . وتحتاج هذه المعاني وهذه الإسناد إلى تكرار عملي مستمر يُوصل المتعلّم إلى إتقان مهارات اللغة . ومنها ما له علاقة مباشر بقدرة المتعلّم , وذلك مراعاة لمستويات المتعلّمين وكفاءاتهم , ولتمايز مستوى الأداء الإبداعي في اللغة المتعلّق بالنصوص الراقية عن مستوى التواصل العادي الخاضع لحاجيات المتكلّمين , ومنها ما له علاقة مباشرة بالمُعلِّم للغة , إذ أنّ المتعلّم للغة لا يتعلّم اللغة فقط , بل يتعلّم المستوى الفكري للغة من معلّمه , فلذلك يجب أن يكون المعلّم قدوة لغويّة لمتعلّم اللغة .

Cinq mécanismes pour l’acquisition de compétences linguistiques
Résumé:
L’apprentissage de la langue nécessite des mécanismes chaque fois différents selon les représentations de l’opération d’apprentissage. A travers le présent article, on a essayé de cerner ces mécanismes qui sont liés à la composante mentale, à la compétence de l’apprenant, voire ceux relatifs à l’enseignant et son rôle dans la formation linguistique et intellectuelle de l’apprenant.

ليست مدلولات اللغة سوى معاني يتداولها الناس فيما بينهم , وهذه المعاني إمّا تصوّرات ذهنية حاصلة في الواقع مقيّدة بألفاظ اللغة التي يتداولونها كأسماء الذوات المتشخّصة في الواقع , وإمّا معاني تجريدية ليس لها تصوّرات ذاتية في الواقع ولكنّهم يتداولونها بالإدراك العقلي , ومثال ذلك معاني الوجدانيات والمشاعر النفسية , ومعاني المركبات التخيّلية التي ليس لها أمثلة في الواقع , ومعاني الغيبيّات التي لم يصل إلى حسّ الناس أية صفة من صفاتها وغير ذلك . والملاحظ أنّ الناس كلما وضح في أذهانهم معنى من المعاني , وصاروا بحاجة إلى تداوله وإلى التعبير عنه وضعوا له لفظا منقولا أو مرتجلا يدلّ عليه، ومع تداول هذا اللّفظ مشيراً إلى المعنى الذي وُضِع له يغدو رمزاً معروفاً، فكُلما ذُكِرَ اللّفظ ربط به الذّهن معناه مستخرجاً له من خزائن المعاني عنده ووضعه في ساحة التصوّر الحاضر. وعليه فإنّ كلّ ما يتداوله الناس إمّا له وجود في الأعيان أو الأذهان أو اللسان أو البنان , قال الصرصريّ : ( وتقرير هذا أن كل معلوم فله ثلاث وجودات :وجود في الأعيان  كعين الحيوان الناطق المفهوم من لفظ الرجل أو الإنسان ,  ووجود في اللسان ، وهو لفظ اسمه الدال عليه كلفظ الرجل أو الإنسان الدال على مسماه , فهذا اللفظ وجوده في اللسان , ووجوده في الذهن وهو صورة مدلول اللفظ الحاصلة في الذهن  كصورة الرجل والإنسان )[1] . ويقتضي هذا أنّ التداولي اللغوي مبنيّ على إتقان مهارات لغوية وهي القراءة و الكتابة و المحادثة و الاستماع , وأجمعت جميع النّظريات اللغوية الحديثة على أنّ تعليم اللغة قائم على تعلّم هذه المهارات وإتقانها . وممّا سبق يظهر جليا أنّ إتقان هذه المهارات مردّه إلى إتقان العملية العقليّة الذهنيّة , فمهارة الاستماع تحتاج إلى حضور ذهني لاستبانة المدلولات الصوتية , ومهارة المحادثة تحتاج إلى حضور ذهني لإخراج المعاني على ما يقتضيه الترتيب الذهني للمعاني النفسية , ومهارة القراءة تحتاج إلى حضور ذهني لفك الرموز الخطيّة , ومهارة الكتابة تحتاج إلى حضور ذهني لتفادي الأخطاء المتنوعة النحوية والصرفيّة والإملائية والتعبيرية , ويكفينا في التدليل والإشارة إلى ذلك ما جاء عند عبد القاهر وهو يشرح نظرية النظم في كتابه دلائل الإعجاز , إذ كان كثيرا ما يشير إلى الحضور الذهني في فهم المعنى  ومن ذلك قوله : ( هذا وأمر النظم في أنه ليس شيئاً غير توخي معاني النحو فيما بين الكلم ، وأنك ترتب المعاني أولاً في نفسك ، ثم تحذو على ترتيبها الألفاظ في نطقك )[2] , فعبارة ” وأن ترتب المعاني أولا في نفسك ” دليل على الحضور الذهني , ومن قوله أيضا : ( ومما ينبغي أن يعلمه الإنسان ، ويجعله على ذكر أنه لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم أفراداً ومجردة من معاني النحو فلا يقوم في وهم ، ولا يصح في عقل أن يتفكر متفكر في معنى فعل من غير أن يريد إعماله في اسم . ولا أن يتفكر في معنى اسم من غير أن يريد إعمال فعل فيه ، وجعله فاعلاً له أو مفعولاً. أو يريد منه حكماً سوى ذلك كل الأحكام ، مثل أن يريد جعله مبتدأ أو خبراً أو صفة أو حالاً أو ما شاكل ذلك )[3]. ولك أن تقف على عبارة ” أنّه لا يتصور أن يتعلق الفكر بمعاني الكلم …”, وعبارة ” ولا يصحّ في عقل …” لتستبين قصد الجرجاني للحضور الذهني .

وإذا تبث ما قلناه يثبت أنّ المهارات اللغوية يتحكّم فيها بناء ذهنيّ ترتيبيّ يجب إتقانه كي يتقن المتكلّم تعلّم اللغة وتعليمها , وهذا البناء الذهني يقوم على الترتيب الآتي :

أ ـ التّحكم الذهني : هو القدرة على السيطرة والضبط , وهما يمكنان المتعلّم من أن يقف على المادة المطلوب تعلمها , فإذا استطاع أن يتحكــم بها ضبطا وسيطرة كان قادراً على أن يتعلم المهارات ويكتسبها بدقة . وقد أصبح التعلّم بآلية التّحكّم الذهني نظريّة قائمة بذاتها منذ ستينيات القرن الماضي فيما أشارإليه خبير العقل ” توني بوزان ” لما ابتكر الخريطة الذهنية, وتعد هذه  الخريطة الذهنية ( أداة رائعة في تنظيم التفكير ، وهي

غاية في البساطة )[4] ، كما وصفها بوزان في كتابه  ” كيف ترسم خارطة العقل ” .

ب ـ الانتباه الواعي : فهو التوجيه الذهني الذي يمكّن الفرد من أن يعرف حقيقة ما يتعلمه , وتستخدم عمليات التحليل نتيجة لهذا الانتباه .

ج ـ الانتقاء المبرمج : هو الذي يمكن الفرد من عزل مادة التعلم عما سواها ، بحيث لا يختلط بها غيرها ويستطيع بهذا العزل المؤقت أن يضبط الظاهرة بكل صفاتها ودقائقها .

وإذا كان هذا البناء الذهني أساسيّ في عملية تعلّم وتعليم اللغة فإنّه لا يثمر ما لم تُراع معه مبادئ نفسيّة وتربوية تكون لبنة مهمة في إعداد المناهج اللغوية , وخطط التدريس في جميع المراحل الدراسيّة , فالبناء الذهني مع هذه المبادئ التربوية والنفسيّة يشكلان خمسة عوامل يجب مراعاتها لإتقان تعلّم المهارات اللغوية وبالتالي تعلم اللغة , وهذه المبادئ هي :

1 ــ التكثيف العقلي والذهني: ونقصد به الاستعمال المستمر للعملية العقلية الذهنية حتى تصبح العمليّة

التعليمية اللغوية عادة يتقنها المتعلّم بشكل اعتيادي تلقائي , بمعنى التدّرب على تكثيف الحضور الذهني في العملية التعليمية اللغوية يصل إلى درجة أن يكون فيما يبدو أمرا تلقائيا , ففي مهارة المحادثة مثلا : لولا الحضور الذهني لما استطاع الخارجي الذي روى واقعة حاله الأصمعي أن ينجو من الموت , قال الأصمعي : ( كان رجل من الخوارج يقول :

                              فمنا يزيدُ والبطينُ وقعنبُ . . . ومنا أميرُ المؤمنين شبيبُ       فسار البيت حتى سمعه عبد الملك بن مروان فأمر بطلب قائله فأتي به ، فلما وقف بين يديه قال : أنت القائل : ومنا أمير المؤمنين شبيبُ… قال : لم أقل هكذا يا أمير المؤمنين إنما قلت : ومنا أميرَ المؤمنين شبيب بنصب أمير )[5] . فهذا الخارجي كان مبايعا شبيبا بالخلافة فقال فيه مادحا ما قال بالرفع ” أميرُ المؤمنين ”  ولما وقع في يدي عبد الملك بن مروان قلب الرفع نصبا , ولولا الحضور الذهني الفائق لما نجّى نفسه .

وفي مهارة القراءة أيضا لا يمتلك المتعلّم ناصية الكلام المقروء ما لم يكن عنده هذا الحضور الذهني الذي يميز به بين القارئ الجيد والمتوسط والرديء , وما الأُميُّ كذلك إلا لفقدانه هذه الميزة ـ لا حضور ذهني عنده ـ وإذا ما دققنا النّظر في الصعوبات التي يعاني منها المتعلّمون هي فقدانهم لهذ الحضور الذهني الذي يتطلّب من القارئ أن يقرن بين الكلمة المكتوبة وهيئتها في النّطق , فكلمة ” البر ” , لا يستميز القارئ معناها ما لم يكن عنده حضور ذهني يستنبط به معنى الكلمة في سياقها , هل المراد منها القمح أو الخلاء أو الطاعة . فمهارة القراءة تعتمد كليا على العقل الذي ينقلك في القراءة من التجريد الرمزي ــ أي الكلمة مكتوبة ـــ إلى الحس وهو المعنى التّصوري لمدلول الكلمة المكتوبة .

إنّ الفهم الذي نحصل عليه بعد القراءة لا ينفك عن عمليات العقل التي تبدأ بــــــــــ :       أ ــ التصور : وهو كون موضوع ما قابلاً للتحديد ــ في الذهن البشري ــ بخصائصه وصفاته , ولذا يُسهم وجود صورةأو رسم يمثل موضوعاً ما ، في إحداث تصور كلام مكتوب تتضمنه تلك الصورة , فهذه الصورة تجعلنا قادرين على تصور الموضوع بشكل عام ، بل تفصيلي في أحيان كثيرة , ومن هنا تظهر أهمية الصورة التي تعرض الموضوع وتبين معالمه وأحداثه للمتعلم , تظهر أهمية ذلك في إحداث التصور بشكل لافت للنظر في كل الأحوال ، فإن التصور مرحلة كلية تبنى المراحل الجزئية اللاحقة .

ب ــ الإدراك : وهو مرحلة تالية للتصور , ذلك أن العقل يضع الجزئيات التي وردت إليه في مرحلة التصور  فتنصرف إليه هذه الجزئيات بخصائصها الزمانية والمكانية والموضوعية , فالمعنى الذي يتصوّره العقل في المرحلة الأولى يحدّد بموضوع معيّن وزمن معيّن ومكان معيّن , فقولنا : ” الله الذي خلق السموات والأرض ”  بعد تصوّر السماء والأرض , ندرك أنّ الله خلقهما وموضوعهما الكون , ومكانهما الفضاء , وزمنهما قبل خلق البشر . وما يبيّن أهميّة الإدراك كون وجود أمور لا تُدرك كالذات الإلهية , ولذا قال تعالى : ( لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار )[6].

ج ــ التّبصر : وهو مرحلة متقدّمة من التعليم المهاري , إذ إنّ اللغة أوضاع حقيقية ومجازية , وفي الأوضاع المجازية تظهر حقيقة التّبصّر , فالصور البيانية كالاستعارة والمجاز والكناية إذا لم يمتلك المتعلّم قدر كبيرا من الحضور العقلي الذهني المبني على تلاقح الجمع بين أجزاء الصور المتشابهة في الواقع لن يستطيع فهمها أبدا ولو رجعت إلى عبد القاهر لوجدته يقر بذلك في مبحث الفصاحة والتشبيه والكناية , إذ يقول : ( وأن تنظر أولاً إلى الكناية , وإذا نظرت إليها وجدت حقيقتها ومحصول أمرها أنها إثبات لمعنى أنت تعرف ذلك المعنى من طريق المعقول دون طريق اللفظ. ألا ترى أنك لما نظرت إلى قولهم : ” هو كثير رماد القدر ” ، وعرفت منه أنهم أرادوا أنه كثير القرى والضيافة ، لم تعرف ذلك من اللفظ ، ولكنك عرفته بأن رجعت إلى نفسك فقلت: إنه كلام قد جاء عنهم في المدح ، ولا معنى للمدح بكثرة الرماد. فليس إلا أنهم أرادوا أن يدلوا بكثرة الرماد على أنه تنصب له القدور الكثيرة ، ويطبخ فيها للقرى والضيافة ، وذلك لأنه إذا كثر الطبخ في القدور كثر إحراق الحطب تحتها. وإذا كثر إحراق الحطب كثر الرماد لا محالة .وهكذا السبيل في كل ما كان كناية )[7].

2 ــ توظيف المهارات اللغوية : إنّ تعلّم المهارات اللغوية يقتضي استعمالها في مجالات الحياة المتعددة , وهذا يعنى توظيف اللغة للتعبير عن حاجيات وأغراض الناس , كما هو التعريف المشهور للغة عند ابن جني : ( اللغة أصوات يعبّر بها عل قوم عن أغراضهم )[8] . ومجالات الحياة فيها ما يقتضي التحدث , وفيها ما يقتضي الاستماع , وفيها ما يقتضي الكتابة , وفيها ما يقتضي القراءة , فلذا يجب على المتعلّم امتلاك المهارات اللغوية امتلاك صحيحا كي يُحسن التواصل مع الناس , يقول الراجحي : ( تحقيق القدرات اللغوية عند التلميذ بحيث يتمكن من ممارستها في وظائفها الطبيعية العملية ممارسة  صحيحة )[9]. والوظائف الطبيعية هي جوانب الحياة اليومية , الحاجات النفسية, و الحاجات الاجتماعية , و الحاجات العقليّة , ولك أن تتخيّل كيف يمكن للإنسان أن يعبّر عن كلّ هذه الحاجيات إذا لم يتقن اللغة أو لم يحسن استخدامها وعليه يمكن تحسس نعمة اللغة , ومقدار الحرمان الذي يعانيه الأبكم في التعبير عن حاجياته العقلية والنفسيّة بالخصوص .

وفي علاقة المهارات اللغوية بالوظائف الطبيعية نشير إلى أنّ اللغة مرتبطة بمقامات حاجيّة يوميّة , وكلما خرج الأداء اللغوي عن هذه المقامات , فإنّ ذلك يُسمّى هذرا , والهذر كما قال علماء اللغة سقط الكلام , أو الكلام الزائد عن الحاجة , لأنّ الكلام الزائد على الحاجة لا يؤدي الغرض , وبالتالي يكون صاحبه عند الناس مذموما لأنّه يعيق عمليّة التواصل بينهم , ولذلك قال إياس : ( … للكلام غاية , ولنشاط السامعين نهاية , وما فضل عن مقدار الاحتمال ودعا إلى الاستثقال والملال فذلك الفاضل هو الهذر وهو الخطل وهو الاسهاب الذي سمعت الحكماء يعيبونه )[10]. و قد ربط الآمدي تعريف البلاغة بمقام الحاجة , فقال : ( هي إصابة المعنى  وإدراك الغرض ، بألفاظ سهلة عذبة مستعملة سليمة من التكلف كافية ، لا تبلغ الهذر الزائد على قدر الحاجة  ولا تنقص نقصاناً يقف دون الغاية … )[11]. ولو دققت النّظر في أساليب اللغة وجدتها تنبئ أو تُفصح عن أغراض , ولذا كان للأسلوب الخبري أغراض وللأسلوب الإنشائي أغراض , وعليه يجب على معلّم اللغة في نشاط التعبير أن يوجّه المتعلّمين في كتابة وإنشاء التعابير بأنّ يكتبوا التعابير انطلاقا من أغراض يوميّة يحتاجونها كي يُساهم في تعليمهم امتلاك المهارات اللغوية .

وهناك مجال آخر يجب توظيفه لامتلاك المهارات اللغويّة , وهذا المجال مجال الفكر والخيال , والمجال فيها غير محدود , وما دام كذلك فينبغي أن نُرقيّ اللغة ونرتقي بها في هذا المجال , فترقية اللغة توليد المصطلحات للمعاني الجديدة , والارتقاء بها خلق مقامات فكرية وخيالية جديدة للأداء اللغوي , وهذا ما أصبح يُصطلح عليه في تحليل الخطاب,لغات الاختصاص . كما أنّه من الواجب ونحن نتحدّث عن تطوير المهارات اللغوية من خلال مجال الفكر أن ننبه المدرّسين في مختلف المواد العلمية كالرياضيات والفيزياء والكيمياء , والمواد الإنسانية كالفلسفة والتاريخ والجغرافيا بأن يكونوا القُدوة في تقديم صورة جميلة لكيفيّة توظيف اللغة والارتقاء بمفرداتها وتراكيبها في مختلف المواد الدراسيّة .

كما نطالب واضعي المناهج و الكتب المدرسية بالتدقيق والتحقيق في إعدادهم وتأليفهم للكتب , ونقول لهم : لا ينبغي أن يلحق بهذه الكتب شيء من الآفات اللغوية مهْما كان مجال التخصص . وينبغي أن يكون لكل كتاب محرر ومدقق لغوي ليعمل على نسج لغة الكتاب بعبارات صحيحة خالية من الأخطاء اللغوية ، والتراكيب الركيكة والضعيفة , و يعمل المحرر العلمي على سلامة المادة العلمية ، ويعمل المدقق اللغوي على سلامة اللغة  وبذلك يتكامل عملهما في تعليم اللغة ، وحفظها من كل ما يشوبها على ألسنة المتعلمين وفي كتاباتهـم .

3 ــ التطبيق اللغوي : أقصد بالتطبيق اللغوي الممارسة الفعليّة للمهارات اللغوية في مجال الحياة اليومية , ذلك أنّ اللغة مجالها الحياة و الفكر , ولذا فإن كان الجانب النّظري التعليمي مهم في تعلّم المهارات اللغوية , فإنّ الجانب التطبيقي أكثر أهميّة , لأنّ اللغة كما قلنا ممارسة كلاميّة فعليّة , ويؤيد ذلك ما قاله ابن خلدون في نظرية اكتساب العلوم إذ قال : ( فعلى المعلمين كما هو وسيلة ــ أي العلم ـــ أن لا يستبحروا فيه ولا يستكثروا منمسائله وقوفا بالمتعلم مع الغرضمنه )[12]. وقال الغزالي : ( كل ما يطلب لغيره ، فلا ينبغي أن تجد فيه المطلوب ، وتستكثر منه )[13].

إنّ التطبيق اللغوي يجب أنّ يكون معدا في إطار التوازن بين الجانب النّظري والعملي , ومضبوطا بحاجات الفرد والمجتع وعليه فيجب مراعاة كلّ مرحلة تعليمية وما تتطلّبه من معرفة نظرية وعمليّة , كلّ ذلك يتمّ عن طريق اختيار النصوص التي تلائم نموهم وتناسب مداركهم ، كأدب الأطفال الذي يناسب طلاب المرحلة

الأساسية بما يحتويه من ” خيال وقصص وسرد خفيف، وعبارة غير مكثفة الفكرة “[14] .

عند النظر في حقيقة المهارات اللغوية ، وفي محاولة إكسابها للمتعلمين ، وعند التطبيق الذي ينقل هذه المهارات إلى الواقعالحي ، علينا أن نستذكر الحقائق الآتية التي أشار إليها بياجيه:

ــــ ينـمو الذكاء الإنساني في مرحلة الطفولة نمواً يجمع بين المهارات العقلية، والسلوك التطبيقي، على نحو يمكّن الطفل من أن يجعل التطبيق ظلاً للذكاء العقلي. أي أن الجانب الذهني ينمو بمصاحبة السلوك .

ــ يستمر نمو المهارات اللغوية، ومنها مهارة القراءة على وجه الخصوص بصورة تدريجية، يصحبها قدر من الإبداع يتفاوت من طفل إلى آخر.

ــ يظهر التجريد تدريجياً حتى يتمكن الطفل من الإلمام بالمفاهيم والمدركات الكلية. ويظهر ذلك في التطبيق إذا أحسن المعلمون استثمار هذه القدرة عند هؤلاء الأطفال.

ـــــ يصحب ذلك قدر من الانتباه يمكّن الأطفال من أن يستوعبوا تفصيلات الأحداث، بشكل أدق.

ــــ تستمر الذاكرة في النمو، ويستخدمها الأطفال الذين كان لهم حظ في سلامة التعليم، وصحة التعلمّ، في استجماع المواد التي يدرسونها، واستدعاء جزئياتها .

ــــ يستمر نمو الخيال الواقعي المبدع الذي يجمع بين الخيال والواقع على النحو الذي وضحناه .

ـــ ينمو لدى الأطفال حب الاستطلاع، وهي عملية عقلية يظهر أثرها في السلوك التعلمي[15] .

4 ـ تفريد التعليم : لا نقصد بتفريد التعليم أن يكون لكلّ فرد معلّم خاص , لأنّ ذلك لايتيسّر عموما , وإنّما تفريد التعليم إحداث ذاتية ودافعيّة للمتعلّم كي يقوم وحده بعمليّة التعليم , وقد عرّف كلا من الدكتور توفيق مرعي والدكتور محمد الحيلة في كتابهما تفريد التعليم هذا النمط من التدريس بأنه : ( سلسلة من إجراءات تعليمية وتعلّمية تشكل في مجملها نظاماً، يهدف إلى تنظيم التعلم وتيسيره للمتعلم، بأشكال مختلفة، وطبقاً لأولويات وأبدال، بحيث يتعلم ذاتياً وبدافعية، وبإتقان، وفقاً لحاجاته وقدراته )[16] . وإذا كان تفريد التعليم مجدياً في تدريس المواد الدراسية , فإن هذا النمط من التعليم ، أكثر جدوى في تعليم المهارات اللغوية، وأرسخ قاعدة ، وأثبت أساساً , لأن هذه المهارات تظهر في السلوك اللغوي , فوقوع هذه المهارات ضمن دائرة السلوك اللغوي يعني أنها أشد حاجة إلى التوجيه الفردي المباشر . وقد كانتهذه طريقة الأوائل في تعليم مهارات اللغة العربيّة , فقد روي أن أبا نواس جاء إلى أستاذه خلف الأحمر في أول صحبته له يريد أن يتعلم الشعر وقد أحس أن لديه تلك الموهبة ، فقال له خلف: اذهب فاحفظ مئة ألف بيت من شعر العرب وعد إليّ. ففعل . وعندما رجع إليه وأخبره أنه حفظها ، اختبره خلف في حفظها حتى تأكد من ذلكثم طلب إليه أن ينساها,وبعد ذلك سأله خلف : ألك في أن تتخيل أنني مت وترثني . ففعل أبو نواس ، ثم قال لخلف : مت ولك خير منها .

يفيد تفريد التعليم المتعلّم كثيراً عندما يطبق في تعليم المهارات اللغوية , فقد يؤدي به ذلك إلى إتقان هذه

المهارات وإحكام أدائها . ويمكنه من اكتساب الخبرات التعليمية التي تجعله مميزاً في أدائه. بل إنه يكتسب ثقة

بالنفس عالية واستقلالية في العمل كبيرة ، وفرصاً في النجاح وفيرة .

5 ـ القدوة : يجب أن نفرّق بين التقليد والقدوة , فالتقليد يخلو من الإبداع ، ويلغي شخصية المقلّد ، في حين أن القدوة لا تخلــــو من الإبداع ، ولا تلغي شخصية من نقلده ، ونتأسَّى خطواته , لأنّ البحث عن الشخص القدوة حاجة من حاجات الإنسان ويؤكّد ذلك في تفنّن الصحابة في اقتدائهم بالنبيّ ــ صلى الله عليه وسلّم ــ وقد أمر الله بنا في كتابه , قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة )[17] .

ومما يؤكد أهمية القدوة في تعلم المهارات اللغوية أن التعبير لا يمكن امتلاك ناصيته إلا عن طريق القدوة , فإذا كان المعلم قادراً على دقة التعبير عن الأشياء ، فإن طلابه سيتخذون منه قدوة ، بسبب وجود الربط بين آليات التفكير الموجودة عند هؤلاء الطلاب ، وما يجدونه من قدرة على التعبير ودقة في ابتكار العبارات عند المعلم  ووظيفة الربط هذه هي التي تجعل من المعلم قدوة ، وتلبي رغبة الطلاب ، وتشبع حاجتهم في وجود القدوة . وهذا ما نجده جليا في صفوف التعليم في الفرق بين طلاب صف وطلاب صف آخر , وما ذاك التفاوت إلاّ تفاوت في الاقتداء بقدرات المعلّم .

وحقيقة القدوة اتّصال النفوس المتعلّمة بالنّفوس المعلّمة فكرا وروحا لتسير بها على منهج الهداية الروحية والفكرية

فالنفوس المتعلّمة تأخذ قواعد الهداية من النفوس المعلّمة , ولذلك لا يكون الاقتداء تقليدا بقدر ما هو البحث عن

الإبداع الكامن في فكر وروح النفوس المعلّمة , ولعلّ أدق وصف لذلك وقفت عليه ما قاله الرافعي : ( وقد طبع الناس في باب القدوة على غريزة لا تتحول ، فمن انفرد بالكمال كان هو القدوة ، ومن غلب كان هو السمت ولابد لهم ممن يقتاسون به ويتوازنون فيه حتىيستقيموا على مراشدهم ومصالحهم ، فالإمام كأنه ميزان من عقل فهو يتسلط في الحكم على الناقص والوافي من كل ما هو بسبيله ، ثم لا خلاف عليه إذ كانت فيه أوزان القوى وزنًا بعد وزن ، وكانت فيه منازل أحوالها منزلة بعد منزلة .هو إنسان تتخير بعض المعاني السامية لتظهر فيه بأسلوب عملي ، فيكون في قومه ضربًا من التربية والتعليم بقاعدة منتزعة من مثالها ، مشروحة بهذا المثال نفسه فإليه يرد الأمر في ذلك وبتلوه يتلى وعلى سبيله ينهج ، فما من شيء يتصل بالفن الذي هو إمام فيه ، إلا كان فيه شيء منه ، وهو من ذلك متصل بقوى النفوس كأنه هداية فيها , لأنه بفنه حكم عليها ، فيكون قوة وتنبيهًا  وتسهيلًا وإيضاحًا ، وإبلاغًا وهداية , ويكون رجلًا وإنه لمعانٍ كثيرة ، ويكون في نفسه وإنه لفي الأنفس كلها  ويعطي من إجلال الناس ما يكون به اسمه كأنه خلق من الحب طريقه على العقل لا على القلب )[18].     وفي القدوة المفارقة الهائلة بين ثقافتنا العربية الإسلامية، والثقافة المعاصرة في التدريس ، فالعلماء كانوا يتلقون العلوم والمهارات اللغوية العالية من أساتذتهم وشيوخهم , فكان الواحد منهم يرث من شيوخه المهارات اللغوية  على درجة عالية من الكفاية والأداء , وما كان أمر هذه الوراثة ليكون على النحو المميز الذي كان يجري في تاريخ العلم والفكر في بيئتنا العربية الإسلامية ، لولا القدوة التي كان يمثلها العلماء الشيوخ لتلاميذهم والآخذين عنهم , هذا على الرغم من قلة الإمكانات والمصادر التعليمية في تلك الأيام .

The post أسهل الطرق لتعلم اللغات …ال5 آليات لإكتساب المهارة اللغوية …الآليات الخمس لاكتساب المهارات اللغويّة appeared first on الجزائرية للأخبار.



source http://dzayerinfo.com/ar/%d8%a3%d8%b3%d9%87%d9%84-%d8%a7%d9%84%d8%b7%d8%b1%d9%82-%d9%84%d8%aa%d8%b9%d9%84%d9%85-%d8%a7%d9%84%d9%84%d8%ba%d8%a7%d8%aa-%d8%a7%d9%845-%d8%a2%d9%84%d9%8a%d8%a7%d8%aa-%d9%84%d8%a5%d9%83/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق