تقدم صحيفة الجزائرية للأخبار الكتاب القيم الذي يقدم تفاصيل واسرار وقوانين العمل القضائي في الجزائر ، على سلسلة من الحلقات ، الكتاب الفه القاضي السابق والخبير في القانون فؤاد حجري .
الحلقة الثالثة
المادة 12: يمنع على القاضي القيام بأي عمل فردي أو جماعي من شأنه أن يؤدي إلى وقف أو عرقلة سير العمل القضائي.
التحليل والملاحظة: على حسب رأينا المتواضع، فإن هذا النص يتعلق بمنع غير محدد في محتواه، قد تم نقله أو استنساخه بدون تبصر من نص المادة 10 الفقرة 3 من الأمر رقم58/1270 المؤرخ في 22ديسمبر1958 المعدل بالقانون العضوي رقم 539/2001 المؤرخ في 25 جوان 2001 المتضمن القانون الأساسي للقضاء الفرنسي فنجد أن مضمونها مماثل للمادة 12 من القانون العضوي الجزائري ” يمنع على القاضي القيام بأي عمل فردي أو جماعي من شأنه أن يؤدي إلى وقف أو عرقلة السير القضائي” .غير أن المادة 12 قد أضافت عبارة العمل الفردي، وهنا يطرح التساؤل التالي: كيف وفي أي ظرف يمكن للقاضي القيام بعمل فردي من شأنه عرقلة سير العدالة؟
فمن السهل تصور العمل الجماعي للقضاة المعرقل لسير العدالة كما يقرره القانون الفرنسي وأيضا الجزائري. أما مفاهيم العمل الفردي المضاف من قبل مشرعنا،فهو غير تابت في هذه الحالة بالذات.
حسب تحليلنا فان المشرع، بتطرقه إلى موضوع العرقلة لسير العدالة ، كان يقصد العرقلة في السياق السياسي،لأنه لابد من تسليط الضوء عليها و من ثم تنظيمها ،و عليه فانه يبدو من المنطقي أن يتم إدراج هذه الفقرة ضمن المادة 14 التي تنص على انه :” يحظر على القاضي الانتماء إلى أي حزب سياسي، ويمنع عليه كل نشاط سياسي.” ووضعها في فقرة ثانية مثلما قرره قانون1989.
المادة 12 الفقرة 2: ” يمنع على القاضي المشاركة في أي إضراب أو التحريض عليه، ويعتبر ذلك إهمالا لمنصب عمله دون الإخلال بالمتابعة الجزائية عند الاقتضاء.”
التحليل والملاحظات: إذا كان منع ممارسي سلك القضاء من المشاركة في أي إضراب مبدأ لا يمكن إنكاره، فإن اعتباره إهمالا لمنصبه هو أمر يدعو للسخرية فحسب. لذلك،كان من الأجدر أن تكتفي الفقرة 2 من المادة 12 بذكر المنع فقط دون وصفه إهمالا للمنصب لان كل واحد من هاذين الإجراءين يخضع لتنظيم خاص به.
مع العلم أن كل من المشاركة أو التحريض على الإضراب، (المادة 12 الفقرة 2) وعرقلة سير العدالة (الفقرة 1)هما عبارة عن حالتين لا تشكلان إلا واقعة واحدة مادام أن الإضراب في حد ذاته يعد عرقلة لسير العدالة وقد تم النص عليهما بموجب المادة 62 ويترتب عن ممارستهما العزل. أما بالنسبة لإهمال المنصب، فهو يخضع لقواعد تنظيمية أخرى خاصة به، إذ أنه غير منظم بالمادة 62 ولا يشكل هذا التصرف خطأ جسيما يؤدي إلى العزل، بل هو مقرر بموجب المادة 86 من هذا القانون الذي عرفته كما يلي: ”يترتب على كل من تخل عن المهام خلافا لأحكام المادة 85 من هذا القانون العضوي”، ولا يعد التخلي في مفهوم المادة 12 الفقرة 2 مشاركة في الإضراب.
يجب التنبيه إلى أن هذا المنع لم يكن منصوصا عليه في قانون 1989، لان هذا الأخير لم يشر إلى الحق في الإضراب، وإنما اكتفى في مادته 21 بالذكر إلى أن الحق النقابي معترف به للقضاة، مع مراعاة أحكام المواد 7، 9 و10. إذ تتعلق المادة 7بواجب التحفظ، و9بعدم التعارض مع ممارسة عهدة انتخابية، والأخير ة 10 بمنع عرقلة سير العدالة.
أما في قانون 2004، فقد أدرجت جميع هذه الأحكام، إضافة إلى تلك المتعلقة بمنع الحق في الإضراب والذي يشكل فعلا جماعيا من طبيعته عرقلة سير العدالة، مثلما هو مقرر في المادة 12.
وبغية المحافظة على الموضوعية في الصياغة القانونية، ونزع ذلك الجانب الحرفي من هذا القانون، يكون من الأجدر الإبقاء على ما نص عليه قانون 1989بهذا الخصوص والذي اتبع نفس توجه المشرع الفرنسي.
يدور التساؤل هنا حول كيفية ممارسة حق الإضراب وما ينجم عنه من متابعات جزائية؟ إن هذا الأمر يتنافى مع كل التشريعات والمواثيق الدولية للعمل وحقوق الإنسان إذ أنه من غير المعقول اعتبار حركة احتجاجية توقفا عن العمل، وأكثر من ذلك اعتبارها محلا لمتابعات جزائية.
ومن هذا المنطلق، فإنه لمن المستعجل إعادة النظر في تلك النصوص ومحاولة انتهاج ما تدعو إليه التشريعات الدولية التي لا يمكن أن تنحرف في هذا المجال كونها تتماشى مع نظرية حماية الحقوق للعامل أو الموظف.
المادة 13: يجب على القاضي أن يحسن مداركه العلمية وهو ملزم بالمشاركة في أي برنامج تكويني، وبالتحلي بالمواظبة والجدية خلال التكوين.
التحليل والملاحظة: يمكن القول بداية أن تحسين مدارك القاضي، يرجع للمجهودات الشخصية الخاصة به، بفعل البحث التلقائي وما يترتب عنه من تكوين في كل المستويات. كما أن تجربته، من جهة أخرى، تساهم بدون شك في تطوير مستواه الفكري. إن هذا الالتزام كما هو مقرر في هذا النص، من حيث المواظبة والجدية، لا يضمن قطعيا ولا تلقائيا تكوينا جيدا للقاضي. فالتكوين الجيد للقاضي يندرج ضمن إرادته القوية في البحث عن ترقيته الفكرية،وهذا هو الأمر الذي يجب الأخذ به.
لقد اكتفى المشرع الجزائري في قانون1989وبالتحديد في مادته 11بنصه على انه : ” يجب على القاضي أن يحسن من مداركه العلمية”. وبطبيعة الحال لا يكون ذلك إلا بالمطالعة الشخصية والبحث التلقائي والمشاركة الإرادية في التظاهرات القانونية التي تمكنه من تحسين مستواه الفكري وكذا مساره المهني وتطوير حدسه وإحساسه.لان كل هذا يعتبر العمود الفقري لممارسة مهامه كقاض ، واستكشاف موقفه بالنسبة لفهم النصوص، والتأقلم مع بعض الأفكار والمبادئ والقيم بل اعتناقها مثل استقلالية العدالة وسيادة القانون وحرية الأشخاص والاحترام لحقوق المتقاضين ، وحماية الحريات الفردية وحقوق الدفاع، وضمان عدالة راسخة وقوية واستدراك قرينة البراءة ومبدأ استثنائية الحبس الاحتياطي…إلى غيرها من المبادئ.
و هنا الالتزام بالتكوين يثير إشكالية مهمة تتمثل في طرح التساؤل في دور المعهد الوطني للقضاء في تكوين القضاة، فكيف يقر النص إلزامية هذا التكوين بينما ما هو تابت هو أن هذا المعهد يوفر لهم تكوينا مدته 5 سنوات؟ ويبدو في وجهة نظرنا أنه حتى القضاة الذين لم تتح لهم فرصة التكوين لمدة طويلة كهذه في ذلك المعهد، فقد عوضوها بتجربتهم الثمينة أثناء الممارسة القضائية.
وفي مثل هذه الحالات إذا، لا يلتزم جميع القضاة إلا بالمشاركة في ملتقيات ظرفية بغية تحسين معارفهم في حال صدور نصوص جديدة، أو استعدادا للمعطيات الجديدة المفروضة نتيجة العولمة والمقتضيات الدولية. زيادة على ذلك حتى تخصص القضاة يجب أن يتم في شكل تكوين مدته تختلف حسب اختلاف مادة التخصص. لذلك يبدو أن النص على هذا الالتزام بتلك الطريقة لا جدوى منه وهناك عدة أمثلة لهذه الحالات .
مثال: لقد تم إبرام اتفاقية وطنية مع وزارة التعليم العالي من أجل تكوين القضاة في اللغة الإنجليزية والإعلام الآلي، وعند تطبيقها العملي، اتسمت نهاية السنة الدراسية بالفوضى والغيابات من قبل القضاة وكذا المدرسين،كما كان هنالك عدة نقائص من الناحية التطبيقية كجعل هذه الدراسة تكلل بمنح الطلبة القضاة بشهادات جامعية.
قد تظهر لنا إشكالية أخرى في هذا الصدد ، وهي استحالة إلزام القضاة بهذا النوع من التكوين بسبب أن جل وقتهم موزع بين عدة دورات الجلسات (قاضي وفي نفس الوقت معين في عدة أقسام بالمحكمة أو عدة غرف بالمجلس) ، كما أنهم مجبرين على الحضور لجلسات عمل تحت شكل محاضرات أسبوعية ، واجتماعات غير منتهية ، وأيضا في دراسة مئات الملفات لمختلف الجلسات، والمشاركة في جلسات الدورات الجنائية العادية، ثم الدورات الإضافية التي لا تنتهي، وتحضير تقاريرهم والمساهمة في المداولات وتحرير الأحكام والقرارات قبل النطق بها، والمشاركة في الدورات التكوينية على المستوى المركزي والجهوي…..إلى ما زاد عن ذلك من الالتزامات التي يبقى تعدادها غير محدود.
إضافة لذلك، يطرح السؤال حول كيفية تمكن عدد كبير من القضاة وهم على مقربة من التقاعد الذي ينتظرونه بفارغ الصبر والذي يعد في بعض الأحيان الحلم الوحيد الذي يراودهم ، الرجوع إلى مقاعد الجامعة لتعلم الإنجليزية أو الإعلام الآلي في حين ان أعمارهم تتراوح ما بين 55 و60 سنة؟ يبدو لنا أن هذا الأمر الصعب يؤدي حتما بمعظم القضاة إلى حيرة من أمرهم ويجهد قدراتهم، إذ في وقت وجيز يصبحون مقيدين بتكوين إجباري من دون جدوى و لا مبتغى ، مآله الوحيد تصعيد القلق الذي ينجم عنه الاضطراب الدائم و المستمر .
على سبيل الطرافة يمكنني أن أذكر لكم حادثة لاحظتها بمناسبة مؤتمر حضرته في فندق القضاة، وأثناء تناول العشاء بالمطعم، لاحظت أن معظم القضاة الحاضرين كانوا مزودين بعلب الأدوية، كاشفين عن خضوعهم لعلاجات طبية شتى بسبب الإرهاق، مشاكل القلب ، السكري، ضغط الدم والاكتئاب. لذلك أصبح من الضروري تنبيه المسؤولين لهذه الحالة المؤسفة من اجل العمل على إيجاد الحلول المناسبة لهذه الآفة.
ومن الموضوعية ،الإقرار بأنه إذا كان التكوين داخل البلاد إجباريا،فإن الأمر يختلف تماما بالنسبة للتكوين بالخارج، إذ أن معظم القضاة لا يسمح لهم بالمشاركة فيه بحجة سنهم المتقدم. وفي هذا الصدد قد سبق وان صدرت تعليمة وزارية تحدد السن المسموح به بالنسبة للقضاة الراغبين في التكوين بالخارج والمحدد بأقل من 40 سنة. وعلى العموم تم احترام هذا القيد , باستثناء بعض التجاوزات التي يجهل الجميع أسبابها.
كما يمكن الإشارة إلى حالة التكوين قصير مدى، أين لا يتم اختيار قضاة على أساس مستواهم الفكري و كفاءاتهم بل أن جلهم يتم إرسالهم إلى بلدان فرانكفونية،وغالبيتهم لا يفقهون الفرنسية، وبذلك يصبح هدف إرسالهم لغاية سياحية أكثر منها فكرية.
من الممكن أن نتساءل هنا: كيف يمكن مطالبة القضاة بالتكوين في الخارج مع العلم أن معظمهم لا يجيدون إتقان اللغة الفرنسية ، بل كما قال أحد الشخصيات المعروف بنزاهته أخلاقيا وفكريا أنهم لا يعرفون إلا العربية، أن يتابعوا ويحسنوا مستواهم بدروس ملقاة باللغة الفرنسية هذه اللغة التي يجهلونها تماما؟
يطرح تساؤل اخر في هذا الصدد و المتمثل في : كيف يمكن تكوين قضاة جزائريين في بلدان تختلف تشريعاتها وأنظمتها القضائية اختلافا تاما عما هو منظم بالجزائر على المستويين التنظيمي والمفاهيمي على حد سواء؟
لقد ذكر البروفيسور يسعد، في باب تكوين القضاة، ”أن هؤلاء القضاة يمكن تكوينهم في بلادهم ولا يستوجب عليهم الذهاب إلى الخارج، أما الذين يستوجب عليهم فعل ذلك، فهم مسؤولي الجهاز القضائي ورؤساء الجهات القضائية ومستشاري المحكمة العليا، بغية الاطلاع على كل ما يجري هناك، كل واحد حسب اختصاصه” (جريدة الخبر ليوم 09/07/2007).
إن كل هذه المؤشرات الموضوعية الحقيقية الراسخة والمنسجمة لابد لها أن تحدد من أجل تحسين نظامنا القضائي. ويجب من جهة أخرى أن تشكل هذه المؤشرات للسلطات العمومية مناسبة ملائمة لتقييم ذلك التبذير الواقع في أموال الخزينة العمومية. ومن أجل إصلاح العدالة لابد من أخد هذه الاعتبارات وكل هذه العناصر حتى لا نقع في الأوهام والضياع الأكيد.
إن هذه المفارقة تزداد تغذية عندنا بحكم التكوين الإجباري المنظم من طرف الوزارة، بخلاف ما هو موجود بفرنسا ,إذ يعد تكوين القضاة مبتغى لا يمكن تفاديه. و يستخلص مضمونه من الإرادة التلقائية للشخص الذي يبحث باستمرار عن تحسين تفكيره القضائي وممارسة مهامه.
ومن أجل ذلك، فكل شروط التكوين متوفرة والتي تمكنه من رفع مستواه في عالم القضاء، وذلك في محيط يحفزه على العمل، و يشجعه للمضي قدما, ويدفع به للرقي ولا يجمده من جراء الخمول.
وحتى يكون القاضي الجزائري في مستوى القاضي الفرنسي، يستوجب عليه جمع العديد من المؤشرات أهمها الهدوء الفكري، الحماية بموجب القوانين، ومن أجل تحفيزه و تكوينه، عليه بمطالعة مجلات القانون، الكتب، المؤلفات المذهبية، مجلات الاجتهاد القضائي الخ……، وأن يتذوق ويستلذ الجلوس في المكتبات للاطلاع على المجلات القضائية للمحكمة العليا ومجلس الدولة، هذه التحفيزات التي يتم توزيع كميتها بصفة ضئيلة لا تكفي أبدا عدد القضاة ولا حتى لتلك المكتبات التي تبقى رهينة لندرة المؤلفات، بيد أنه في وقت قريب، كانت رفوف هذه المكتبات تنافس المكتبات الفرنسية المشهورة: مجموعة دالوز كاملة، جوغيسكلاسوغ الدوريةـJurisclasseur، مجلات من مختلف الأنواع،و لأكبر الباحثين و المؤلفين مثل: شابوي، دوفارجي، لوبادير، مازو ( Chapuis-Duverger-Laubadaire-Mazeaud )، أما حاليا فلا نجد شيء من هذا القبيل.
المادة 15: تتنافى مهنة القاضي مع ممارسة أي نيابة انتخابية سياسية.
التحليل والملاحظة: من الضروري الإشارة إلى أن القانون المتضمن القانون الأساسي للقضاء يخلط بين ما يسميه تارة مهمة القاضي، وتارة أخرى مهنة القاضي، ثم وظيفة القاضي.
المادة 17/1: يمنع على القاضي ممارسة أية وظيفة أخرى عمومية كانت أم خاصة تدير ربحا، غير أنه باستطاعته ممارسة التعليم والتكوين طبقا للتنظيم المعمول به بترخيص من وزير العدل.
التحليل والملاحظات: إن هذه المادة، بعدما قررت إمكانية ممارسة التعليم والتكوين، أخضعتهما لترخيص مسبق من قبل الوزير، و هنا السؤال الذي يطرح : لماذا تقيد وظيفة التعليم والتكوين النبيلة بهذا الترخيص، لاسيما أن هذه المادة توضح أن مهمة التعليم والتكوين يجب أن تكون مطابقة للتنظيم المعمول به؟
كما نجد ايضا تناقض آخر في هذا الصدد، فمادام أن التعليم مطابق للقانون، لماذا يتم إخضاع تطبيق هذا النص لإجراء إداري عادي؟ وإذا ما قارناه بالقانون الفرنسي، يمكن القول أن هذه الالزامية لا وجود لها في فكر المشرع الفرنسي. فبالعكس من ذلك، يتم تحفيز كل مجهود علمي أو فكري في إطار هذا القانون المتضمن القانون الأساسي للقضاء، ويترتب بالنتيجة عن ذلك الترخيص انسجام واقعي مع النصوص, ومن ثمة ترسيخ عدالة قوية ذات استقلالية دائمة و متينة.
بالنسبة للقاضي الفرنسي يمكن تقييم وفائه لأعماله وله دور في اتخاذ قراراته الصائبة غير التافهة، لذلك فقد فهم المشرع الجزائري ذلك أثناء صياغته لقانون سنة 1989 إذ لم يقيد أداء تلك المهام النبيلة بأي ترخيص.
وبالنسبة للممارسته لنشاط مأجور، يمكن أن نذكر قضية تعرض لها احد القضاة إذ قام بكتابة ونشر أعماله فأدى به ذلك إلى عقوبة تأديبية على أساس أنه قد تحصل على أرباح غير مصرح بها عن طريق التأليف والنشر. وهنا يثار التساؤل كيف يمكن في هذه الحالة اعتبار الكتابة كنشاط مأجور وبالتالي مصدر رزق؟ وللإجابة عن هذا التساؤل،أكتفي بذكر كلمات قالها في هذا الصدد الكاتب الجزائري يــــــــاســـــميـــنة خــــضـــــرة :
” عندما نكتب نموت مرتان.”و من جهتي شخصيا فأنا اصرح أننا نزداد فقرا في هذا الميدان عدة مرات ،بحيث يصل بنا الأمر إلى الإهانة والطرد والحقرة من طرف من كان عليه أن يفتخر ويشجع المبادرات الفكرية.
المادة 17/2-3: يمكن للقاضي وبدون الحصول على إذن مسبق، القيام بأعمال علمية أو أدبية أو فنية لا تتنافى مع صفة القاضي.
غير أنه لا يمكن الإشارة إلى صفة القاضي إلا بإذن من وزير العدل، بعد الاستشارة المسبقة للمجلس الأعلى القضاء.
التحليل والملاحظات: إن هذه المادة تمنح فعلا للقضاة حق القيام بأعمال علمية أو فنية، لكن بشرط أن تكون هذه الأعمال ملائمة مع صفة القاضي. وبالرغم من أننا لا زلنا في إطار الأعمال التي يقوم بها القضاة، يبقى شرط التلاؤم مع مهنتهم قائما. فمهما كان الأمر،فلابد أن يتعلق إلا بأعمال قضاة وليس أشخاص آخرين، وهذه الحالة مرتبطة أيضا بترخيص من الوزير.
ويظهر أيضا تناقض آخر، يكمن في تقرير شيء وتحريره وتجسيده في شكل حق وفي نفس الوقت يتم تحديده باستثناءات في اتجاه الحصول على تراخيص مفروضة من الوصاية.
وإذا ما واصلنا في هذا التحليل يمكن لنا طرح تساؤل آخر و هو : أليس من المشرف أن نرى كل رفوف المكتبات عبر الوطن مملوءة بانجازات قانونية لقضاتنا؟ فيكون بذلك دليل على انه،عوض أن يصبح القاضي محل النسيان أو التحقير ،فسيثبت أنه في المستوى المرموق من التفكير والمبادرة القانونية المولدة لعدالة جيدة، لاسيما أنها قد شوهت منذ وقت طويل بالأمراض والآفات التي سردنا البعض منها وجعلت العدالة تفشل في الاستجابة لطموحات المجتمع؛بحيث ان ترسيخ العدل أصبح غير ملموس في ميدان مكافحة الجريمة ،و ان إعادة ارتكاب الجريمة تثير الكثير من الإحباط واليأس؛مما يضر بصورة العدالة المشوهة في أعين المواطن؛ بفعل الرداءة التي أصبحت مرسخة في دواليبها.
هذا هو الأمر الذي استنبطه بسهولة المشرع الفرنسي وعبر عنه صراحة بموجب المادة 8 من القانون العضوي 2001/539 المؤرخ في 25 جوان 2001، التي تنص على ما يلي: ” يمكن للقضاة وبدون ترخيص مسبق القيام بأعمال علمية، أدبية وفنية.” فمن خلال تقديم هذه الأشغال الفكرية ينشأ فوق القانون وترقية العلم وأيضا التطور الفقهي والاجتهاد القضائي الذي يمثل منصة لإرساء استقلالية العدالة.
وهذا ما فهمه أيضا المشرع الجزائري ورتبه في القانون الأساسي للقضاء القانون المؤرخ في 12 ديسمبر 1989، إذ نص في مادته 12 الفقرة 3على ما يلي: ” يمكن للقضاة وبدون إذن مسبق القيام بأعمال علمية، أدبية أو فنية ملائمة مع صفة القاضي.” الشيء الذي يعني ببساطة أنه يمكن للقاضي أن يتعاطى الكتابة وبدون أن يكون خاضعا لأي ترخيص مهما كان، وبالتالي يمكنه الإشارة لصفته بكل حرية في كل مبادرة فكرية دون أن يتعرض للعقوبة التأديبية في حالة عرقلة هذا الترخيص والذي يبدو أنه أقوى من هذا القانون.
The post كل شيء عن مهنة القاضي والقضاء في الجزائر … كتاب تشريح جثة القضاء على حلقات appeared first on الجزائرية للأخبار.
source http://dzayerinfo.com/ar/%d9%83%d9%84-%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d9%87%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7-2/


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق