الخميس، 30 أبريل 2020

الاشتراكية دين الحياة

                                                                                صلاح المختار

                                                               اذا شبع الانسان ارتفع وابدع

          من بين اهم ما رسخ في ذهني من قراءات ولم تغادره رغم مرور عقود طويلة هو تعريف الاشتراكية الذي قدمه الاستاذ احمد ميشيل عفلق القائد المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي،ففي مقالة خالدة تحت عنوان (ثروة الحياة ) كتبها عام 1936 قال فيها :(اذا سئلت عن تعريف للاشتراكية فلن أنشده في كتب ماركس ولينين وانما أجيب: انها دين الحياة، وظفر الحياة على الموت.فهي بفتحها باب العمل أمام الجميع، وسماحها لكل مواهب البشر وفضائلهم ان تتفتح وتنطلق وتستخدم، تحفظ ملك الحياة للحياة، ولا تبقي للموت الا اللحم الجاف والعظام النخرة.).عفلق وضعنا امام نزعة انسانية جامحة تطغى على كل كل دوغما وموقف وفكر وبديهية، فهو يرهن صلاحية اي نظام اقتصادي بقدرته على اشباع الجياع واكساء العراة وانصاف المظلومين وتحريرهم من اي تسلط استغلالي، عندها تفجر الطاقات الانسانية الخلاقة والمبدعة.

الجائع الذي يرى طفله يموت جوعا ومرضا يترك كل شيء الا محاولة توفير الغذاء والدواء له فينصرف لمختلف الاعمال الشاقة في نظام اقتصادي يجعل الاكل والدراسة والصحة والخدمات الاساسية مرتفعة التكاليف جدا فكيف للجائع الذي لايملك ثمن رغيف ان يدفع التكاليف الباهضة للطب والدراسة والخدمات؟ هنا نراه ينزلق نحو هاوية الجهل والامية والتخلف وتظهر عليه مختلف امراض المجتمع من نفاق وانتهازية وسرقة وقسوة وانانية …الخ. أذا جوّع الانسان وصار اميا او نصف امي لا تتفتح عبقريته الكامنة وتطمر ويتعرض لمختلف انواع الفساد،وبتكرار الطمر يصدم الانسان الباحث عن لقمة بنزوله لقبره وهو لم يستخدم قدراته العبقرية فتدفن معه.الاشتراكية طبقا لعفلق بتحريرها الانسان من الاستغلال والتمييز الطبقي والجوع والمرض والجهل والتخلف تصنع بيئة تسامي الانسان فوق الامراض الاجتماعية وتتيح له فرص التعلم والثقافة واشباع حاجاته وعندما يموت لايترك للموت الا العظام النخرة واللحم الجاف.

          عفلق لم يجعل الاشتراكية نظاما اقتصاديا فحسب كما فعل غيره من الاشتراكيين بل وضعها في مقام دين حياة – انتبهوا لم يجعلها دين الاخرة- يحرر الانسان من معيقات عبقريته قبل كل شيء، فالشبع وحده ليس مطمح الانسان بل هو وسيلة وشرط تفتح عبقريته وهي لاتتفتح الا بتحرره من العوز المادي الذي يقيده ويمنعه من الخلق والابداع،فينطلق في عوالم الفكر والفن والعلم وكل انواع التفكير الحر، وينتقل الانسان في مسارات تطوره من حالة المخلوق البدائي التفكير الى الامساك بأدوات التطور،والتي تنتج ابداعا نراه الان بمقارنة وضعنا قبل نصف قرن بحالتنا الان حيث نجد ان انقلابا جذريا لم يكن احد يصدق انه سيحدث ولكننا نعيشه بدخولنا عصر الانترنيت والمعلوماتية وهما نتاج عبقرية تفتحت ولكن بحدود فرضتها حاجات الرأسمالية،فكيف ستكون عبقرية الانسان عندما توفر الاشتراكية له اقصى درجات التفتح ؟

          هنا نفهم لم اطلق عفلق على الاشتراكية وصف (دين الحياة) فالدين يمثل الحالة الاكثر سموا في التربية وعدلا في المجتمع – اذا ابعدنا العمائم عنه –فهي مقاربة صحيحة ودقيقة لتوضيح ان الاشتراكية تتماهى مع الدين وتشتق من افضل تعاليمه حول العدالة واحترام الانسان وكرامته، رغم انها نظام دنيوي وليس ديني.

ولكي نؤكد تماهي الاشتراكية مع الاسلام فأننا نستعير خطبة وصفت بأنها الخطبة الدينية الاقصر في تاريخ أئمة المساجد وهي التي القاها الشيخ عبدالقادر الكيلاني قبل قرون في بغداد من فوق منبره فقال: (لقمة في بطن جائع خير من بناء الف جامع ،وخير ممن كسا الكعبة والبسها البراقع ،وخير ممن قام لله راكع ، وخير ممن جاهد للكفر بمهند قاطع،وخير ممن صام الدهر والحر واقع ،واذا نزل الدقيق في بطن جائع له نور كنور الشمس الساطع ،فيا بشرى لمن اطعم جائع ). وانهى الشيخ الشيخ الكيلاني الخطبة ! لقد قدم لنا نصا اعجازيا مبهرا عن اصالة الاشتراكية وتماهيها مع الاسلام ففضل اشباع الجياع على الصلاة والزكاة والحج والجهاد، فهدم كل مابناه وعاض السلاطين اصحاب العمائم وحرره من خطايا الذين عظموا المظاهر الدينية وتركوا جوهر الاسلام وهو انقاذ الجوعى وبناء مدارس وتقديم خدمات لهم كي يتحرروا من الاستغلال، فلم يرى الدين الا على ان تطبيق قواعده رهن بتحرير للانسان من الجوع وليس طقوسه التي تأتي في الاهمية بعد اشباع البطون،فالجوع هو نبع الفساد والمفاسد والامية.

الشيخ عبدالقادر الكيلاني سبق عفلق في تأكيد الاهمية المتعالية على غيرها لاشباع الجياع وقبل دعوتهم للتقوى، ونفس السبب الذي جعل الامام علي (ك) يقول عنه ( لو كان الفقر رجلا لقتلته ) فالقتل في الاسلام محرم الا بشروط قاسية ولهذا استخدم الامام علي كلمة قتل لاظهار الاهمية الفائقة لمنع الجوع وجعله شرطا لضمان الايمان.الكيلاني وعفلق متفقان على ان مفاتيح الخلاص هي اشباع الجياع واكساء العراة وتعليم الاميين وتوفير العلاج للمرضى مجانا، وتلك هي حقوق الانسان الاساسية والتي تبنى فوقها حقوقه السياسية وبدونها فأن الحقوق الفوقية تافهة مثل الديمقراطية وحقوق الانسان السياسية، فالحقوق السياسية تضمن اذا توفرت اولا الحقوق الاساسية.هل ترون ان انحراف رجال الدين عن الاسلام سببه تمسكهم بشكليات الاسلام واهمالهم للشرط الاكثر اهمية لتطبيق تعاليمه وهو اشباع الجياع؟واشباع الجياع الخطوة الاولى نحو الاشتراكيةاذا قترنت بخطوات اخرى لابد منها.

هل هناك فرق بين النظم الاشتراكية؟يقينا نعم  فالاشتراكية نظام وككل نظام لن ينجح ما لم يناسب تقاليد وثقافات الشعوب ويتكيف معها فيصبح قوميا او محليا، ولكن النظام الاشتراكي ورغم كل تكيفاته يبقى جوهره ثابتا وهو منع استغلال الانسان وضمان اكله وسكنه وطبه وتعليمه مجانا او باقل التكاليف، ولهذا استخدم الرفيق عزة ابراهيم في خطابة يوم 7-4-2020 تعبيرا دقيقا وهو (الطريق البعثي للاشتراكية ) وهو مشابه لمصطلح (الاشتراكية الاوربية )  او ( الاشتراكية الصينية ). وبعد ان ازاح كورونا الغطاء الذي كان يخفي عيوب الرأسمالية بفشلها الفضائحي في مواجهته اثبت انها العدو الاخطر للانسان ورجح بقوة ان مستقبل عالم مابعد كورونا هو للاشتراكية وليس للرأسمالية.تحية لاحمد ميشيل عفلق القائد المؤسس العظيم، وتحية للاشتراكي الاسلامي الشيخ عبدالقادر الكيلاني الذي اعتمر العمامة بجدارة.

The post الاشتراكية دين الحياة appeared first on الجزائرية للأخبار.



source http://dzayerinfo.com/ar/%d8%a7%d9%84%d8%a7%d8%b4%d8%aa%d8%b1%d8%a7%d9%83%d9%8a%d8%a9-%d8%af%d9%8a%d9%86-%d8%a7%d9%84%d8%ad%d9%8a%d8%a7%d8%a9/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق