الاثنين، 30 مارس 2020

العولمة بوسائلها البراقة، والمظاهر الخداعة

رشيد (فوزي) مصباح

يحتار المرء ولا يجد ما يقوله في هذه الأيّام، فلا شيء يدل على أنّنا في القرن الواحد والعشرين، سوى اللّهم هذه الوسائل البرّاقة التي يحاول بعض الناس أن يجعل منها عباءة تخفّي، فلا تكاد تجد من بين هؤلاء من يحسن استعمالها على النحو الذي صُنّعت لأجله، سوى ربما فئة قليلة ومحدودة. وحين تراهم بخُيلائهم كيف يتبجّحون،كأنّما صعدوا إلى القمر أو وصلوا إلى قمّة الحضارة والتمدّن، وبمجرّد اقترابك منهم يصدمونك بمدى تفاهتهم وصفاقتهم، فيتبيّن لك أن الوسائل التي يمتلكونها ليست سوى واجهة تحجب حقيقتهم، و مظهر من المظاهر، و”المظاهر خدّاعة في كثير من الأحيان” – كما يقول المثل الأجنبي المعروف

. [Les apparences sont souvent trompeuses]

وينتابك الشكُّ وتتساءل إن كان هؤلاء فعلا يعرفون حقّ المعرفة قدر هذه الوسائل العصرية التي يستخدمونها ؟ والحقيقة إنه لا يوجد مبرر في ظل هذه العولمة التي غزت العقول و اقتحمت الأبواب دون أن تطلب الإذن من أحد، ومن ذا الذي لا يوجد في بيته في أيامنا هذه انترنت أو حاسوب؟ سوى ربما فئة قليلة من الذين لايعرفون القراءة ولا الكتابة. والأمر لا يتعلّق بعديمي المستوى أو أصحاب المستويات المتواضعة فحسب، بل يتعدّى إلى من يزعمون أنهم مثقّفون وذوي كفاءات، من الذين يحسبهم الناس عباقرة بجهلهم، وهم بعيدون كل البعد عن كل ما له علاقة بالثقافة الحقيقية التي ترقى بأصحابها إلى مستوى أكبر من توظيف الغرائز والميولات، وهؤلاء يحاولون التستّر على ما لديهم من غرائز ذميمة، من بغض، وكبرياء، وحسد… بواجهة برّاقة مزيّفة، أو ببذلة مصطنعة، بغرض تهذيب صورتهم لدى النّاس. وقد تجد من بين هؤلاء من يترأس إدارة مثلا، أو يملك بناية ضخمة وسيارة فخمة

تخلعنا المظاهر وننخدع بها: [ترى الرجل النّحيف فتزدريه … و في أثوابه أسد مزير. ويعجبك الطّرير فتبتليه … فيخلف ظنك الرجل الطرير]– كما قال الشاعر العربي قديما -. غير أنه بمجرّد اقترابك ترى من هذا الطّرير المتبجّخ ما يجعلك تندم. ودعونا نتكلّم عن هؤلاء الذين تخرّجوا من الجامعات ويحملون معهم أعلى الشهادات، لكن ليس لديهم تجربة ولا خبرة في الحياة، ولا توجد لديهم ثقافة واسعة، ولم يحتكّوا بغيرهم من النّاس، وفي مثل هؤلاء قال (ميخائيل نعيمة): ” كأنّهم دفنوا شطرا من حياتهم تحت التّراب “، أو كما قال. والانغلاق الثقافي الذي فرضوه على أنفسهم ليس له من مبرر في هذا العالم “البانورامي” بصوره المركّبة، وفي ظل هذه العولمة بوسائلها المعقّدة وأقمارها الصناعية التي تكاد تحجب علينا رؤية السماء الواسعة، والعالم أضحى اليوم كلعبة بين أيدينا، وبضغطة زرّ واحدة تستطيع أن ترى ما في الكون وما فوق الثّرى . لكن بعض الذين توفّرت لديهم أجهزة ووسائل- تكنولوجية ومعرفية _ على اختلاف ألوانها وأحجامها، لا يحبّذون استخدامها إلاّ بما يتناسب مع نزواتهم وميولاتهم المريضة. فهم لا يريدون الارتقاء بعقولهم وذواتهم إلى ما هو أسمى، وبدلا من ذلك يقومون بتوظّيف الغرائز المذمومة؛ من بغض، وحسد، وحرص، ورياء، وفضول، وتجسّس على النّاس…،كونها طبيعة رخيصة، فهذا ما جاءت تحاربه الشرائع و الأديان

لأولئك الذين ليس لديهم من شغل سوى مراقبة الناس، كأنّما تفرّقت بهم السُّبل، فلم يجدوا سوى الوقوف، فرادى وجماعات، في صورة قاتمة تعكس حالة المجتمع المتردّية. يترصّدون الماشي والغادي، كأن ليس لهؤلاء بيوت تسعهم ولا من شغل آخر يشغلهم سوى الوقوف في طوابير لمراقبة النّاس. في هذا الزمان الذي عرفنا فيه غلق المساجد والمقاهي والمتاجر والمحلاّت في غير أوقاتها ولزم كل واحد بيته، خوفا على نفسه أو أن يأذي غيره… وتناسى الخُطباء الحديث فيه عن كل ما هو أصلح وأنسب وذهبوا إلى سفاسف الأمور. وفي الحديث: [امْسكْ عَلَيْكَ لِسَانَكَ، وَلْيَسَعْكَ بَيْتُكَ ، وَابْكِ عَلَى خَطِيئَتِك]

The post العولمة بوسائلها البراقة، والمظاهر الخداعة appeared first on الجزائرية للأخبار.



source http://dzayerinfo.com/ar/%d8%a7%d9%84%d8%b9%d9%88%d9%84%d9%85%d8%a9-%d8%a8%d9%88%d8%b3%d8%a7%d8%a6%d9%84%d9%87%d8%a7-%d8%a7%d9%84%d8%a8%d8%b1%d8%a7%d9%82%d8%a9%d8%8c-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%b8%d8%a7%d9%87%d8%b1-%d8%a7/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق