يحاول المثقف العربي أن يظهر دائماً بمظهر الشخص الرزين , السوي و العاقل الذي لا تهمه الأمور الجنسية اطلاقاً … بل و ينتقدها بصوت عالٍ ، فتراه على مواقع التواصل الاجتماعي و مواقع تقييم الكتب و الأفلام ، يستسخف و يستحقر كل شيء ذو محتوى جنسي … في محاولة منه لتحقيق أمرين : أولاً : كبت مشاعره و رغباته بالعصبية و الانفعال … ثانياً : ايصال هذه الصورة النقية (الكاذبة) عن نفسه إلى الآخرين …
و أسأل نفسي : لماذا يحمّل المثقف العربي نفسه كل هذا العبء ؟؟ أن يكون شخصاً مزيفاً غير شخصه الحقيقي ، لماذا ينافق في موضوع _من الواضح_ أنه يهم الجميع ، إلا الذين يعانون من مشاكل نفسية أو هرمونية أو جسدية !!؟
ربما ليظهر بأنه أسمى من غيره مثلاً … و لماذا سيكون أسمى عندما يحتقر الجنس أو الكتب التي تتحدث عنه !!؟
فالجنس هو سبب الحياة و أهم رغبة و حاجة عند الانسان … لذلك لا يمكننا أن نبقي رؤوسنا في التراب ، متعامين عن واقع الحال لمدة أطول …
فكما تقول الكاتبة نوال السعداوي في كتابها الهام (الرجل و الجنس) ، أن الرجل _بشكل عام_ هو الذي جلب على نفسه أعباء الجنس و الشرف ، في محاولة منه _منذ القدم _ أن يسلب المرأة كل ما تمتعت به من امتيازات ، لقدرتها على الولادة و منح الحياة … فالأولاد كانوا ينسبون للمرأة (كما يقول فرويد) ، لأنها كانت الأقوى و الأقدر … كانت تعامل كإله .. و كانت دماء حيضها مقدسة و ليست كما نراها اليوم نجاسة !!
لكن الرجل الغربي و الأوربي استطاع عبر مسيرته التطورية و الحداثية … أن يتحرر من هذه الأغلال التي جلبها على نفسه , محرراً معه المرأة الغربية و الأوربية من سطوته … بينما بقي الرجل العربي متخبطاً في دوامة النفاق و الكذب بما يخص هذا الأمر _ جارّاً المرأة العربية معه إلى ذات الدوامة _ متظاهراً أنه أرفع و أسمى من نجاسة الجنس التي يجري خلفها بشكل مستمر في الخفاء !!
و مما ساعد على استمرار هذه الظاهرة و ابقاء الجنس مشكلة العرب الأساسية و الجدار الصلب الذي يفصل بينهم و بين الخطوة الأولى على طريق الحداثة … هو أن ذلك الطريق شائكٌ للغاية و مشبعٌ بالتجاوزات الاجتماعية و الدينية و السياسية حتى (من وجه نظرهم) ، لأنه قد يعرض كل معتقداتهم و موروثاتهم و عاداتهم للشك و الجدل و التقييم …
العربي بشكل عام … يعرف أن هذا الجدار يحميه من مطبات كبرى قد تواجهه لو تجاوز مخاوفه و حطم هذا الجدار … فالحرية الجنسية هي من أكتر الأشياء التي يستهجنها و يرفضها و ينتقدها في الغرب و أوروبا …
لكن الواقع مختلف تماماً عما نؤمن به و ندافع عنه … كما أن الوقائع تقول عكس ذلك تماماً … فالأوروبي و الغربي ليس هو المهووس بالجنس (كما نعتقد) ، لأن أكثر المضايقات و الاعتداءات و الممارسات الجنسية الشاذة … تحدث في العالم العربي أو تبدر من عرب و مهاجرين في أوروبا …
فتجاهلك أنت (كمثقف عربي) لموضوع الجنس و خوفك من القراءة عنه أو نقاشه , يزيد من حجم المشكلة فقط لا غير …
لأننا نمارس الجنس و نتحدث عنه و نفعل كل شيء يفعله الغرب ، و لكن فقط في الخفاء … بينما نستخدمه في العلن كذريعة و تهمة نلصقها بالآخرين ، فننزه أنفسنا و نشيطن الآخر … فيسهل علينا بعد ذلك اقصاؤه أو حتى قتله !!
The post المثقف العربي والجنس appeared first on الجزائرية للأخبار.
source http://dzayerinfo.com/ar/%d8%a7%d9%84%d9%85%d8%ab%d9%82%d9%81-%d8%a7%d9%84%d8%b9%d8%b1%d8%a8%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d8%ac%d9%86%d8%b3/


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق