الاثنين، 24 فبراير 2020

كل شيء عن مهنة القاضي والقضاء في الجزائر … كتاب تشريح جثة القضاء على حلقات

تقدم صحيفة الجزائرية للأخبار الكتاب القيم الذي يقدم تفاصيل واسرار وقوانين العمل القضائي في الجزائر ، على سلسلة من الحلقات ، الكتاب الفه القاضي السابق والخبير في القانون فؤاد حجري .

الحلقة الثانية

المادة 05: ينصب القضاة في وظائفهم أثناء جلسة احتفالية تعقدها الجهة القضائية التي يعينون فيها.
ويحرر محضر تنصيبهم.
تحليل وملاحظات: إن تنصيب القضاة في وظائفهم الجديدة عادة لا يخضع لأي إجراء رسمي، ما عدا بالنسبة لرؤساء المجالس،إذ يكتفي عموما بإعداد محضر التنصيب وإخطار المعني بالأمر، وذلك مع غياب أي رسمية منصوص عليها في القانون و لا حتى احتفالية.
يبدو لنا أن العدالة أصبحت متسرعة حتى في شكلياتها المقررة قانونا وهيبتها. أما فيما يتعلق برؤساء المجالس، فمن الجدير الإيضاح أن هؤلاء عادة ما يتم تنصيبهم بواسطة الوزير أو ممثليه، وهم بطبيعة الحال تابعين للسلطة التنفيذية. وهنا تطرح إشكالية استقلالية العدالة من جديد، خاصة بالنسبة لرئيس المجلس،والذي لا يتصور أن يكون خاضعا إلا لمجلس القضاء فيما يخص إدارة أي مسار مهني.
زيادة على ذلك، فإن تنصيب رؤساء المجالس في بعض الحالات قد يكون من طرف رؤساء غرف المحكمة العليا المعينين من طرف الوزير.وفي هذه الحالة أيضا تبقى نظرية استقلالية العدالة مطروحة.
المادة 06: يمسك لكل قاض ملف إداري خاص به، يشمل على الخصوص، المستندات المتعلقة بحالته المدنية، ووضعيته العائلية والوثائق المتعلقة بمساره المهني.
يمسك رؤساء الجهات القضائية ملفات قضاة الحكم اللازمة لضمان حسن سير جهاتهم القضائية.
يمسك رؤساء النيابة العامة ومحافظو الدولة ملفات القضاة الذين هم تحت سلطتهم.
تحليل وملاحظات: كان من الأنسب التوضيح في هذه المادة أن تلك الملفات تبقى سرية، غير قابلة للتناول من طرف أي أحد، حتى بالنسبة لمستخلفي رؤساء الهيئات القضائية، وذلك في حال استفادة هؤلاء من الإجازات والعطل.
وفي جانب أخر ، عند صدور قرار من طرف المجلس الأعلى للقضاء في قضية تأديبية لقاضي من القضاة، ويتم إعادة رد اعتباره كما هو منصوص عليه في المادة 72، فإن الملف التأديبي يبقى تابع للملف الشخصي. وهذا ما يمثل إعاقة لمعيار قانونية رد الاعتبار.
لذلك فمن الضروري أن يتم وضع آلية محددة لمثل هذا الإجراء القانوني، مادام أنه يتم وفق قواعد منصوص عليها قانونا، إذ يكون من الأجدر فصل الملفين التأديبي والشخصي عن بعضهما البعض.
الالتزامات:
المادة 07: على القاضي أن يلتزم في كل الظروف، بواجب التحفظ واتقاء الشبهات والسلوكيات الماسة بحياده واستقلاليته.
تحليل وملاحظات: يعتبر مصطلح “التحفظ” غير واضح ومبهم، حيث أنه لا يوجد ما يحدد نطاقه.غير أن هذا المصطلح قد تم الإشارة إليه بشكل واضح بالمادة 10فقرة 02 من الأمر رقم 69/27 المؤرخ في 23 مايو 1969 المتضمن القانون الأساسي للقضاء، والتي حددت مفهومه كالتالي: “إن القاضي ملزم بواجب التحفظ ،لذا يجب عليه أن يتفادى في إطار مهامه أو خارجها الأفعال التي تتنافى مع وظيفته كقاضي.”
بناءا على هذا التعريف، يستنتج ضرورة توافر عنصرين هامين لتفسير هذا المصطلح دون الحاجة للرجوع إلى مدونة أخلاقيات المهنة، وهما:
-أداء العمل في/أو خارج الوظيفة؛
-عمل غير متناسب مع كرامة الوظيفة.
غير أنه يبدو لنا من جهة أخرى، أن المادة 07 قد تم استنساخها من نفس النص المتعلق بالالتزام بالتحفظ المنصوص عليه في قانون 1989 في مادته السابعة 07، إلا أنها قد جاءت بإضافة جديدة المتمثلة في ما يلي:
” وان يتجنب الشبهات والتصرفات المضرة”. ومن هنا، يجب القول أن المجلس الأعلى للقضاء هو الذي له صلاحية القيام باختيار من له القدرة على تفسير بأدق التفاصيل هذا الالتزام بالتحفظ ، وهذا من خلال الملفات التأديبية التي تحال عليه.
المادة 08: يجب على القاضي أن يصدر أحكامه طبقا لمبادئ الشرعية والمساواة، ولا يخضع في ذلك إلا للقانون، وأن يحرص على حماية المصلحة العليا للمجتمع
التحليل والملاحظات: يجب التوضيح في البداية أن هذا النص ما و إلا إعادة للمادة 140 من الدستور التي تنص على أن القضاء يمارس على أساس الشرعية والمساواة تحت تصرف الجميع واحتراما للقانون.
ونفس المبادئ تم إدراجها في التعديلات الأخيرة لنفس الدستور على النحو التالي-المادة 158″ أساس القضاء مبدأ الشرعية والمساواة . الكل سواسية إمام القضاء وهو في متناول الجميع ويجسده احترام القانون.
تجدر الملاحظة أن مضمون هذا البند موافق لمحتوى أداء اليمين المنصوص عليه في المادة 04 سالفة الذكر، غير أن هناك إضافة جاءت بها المادة 08 والتي كان من المفروض إدراجها في أداء اليمين، و المتمثلة فيما يلي: «يحرص على حماية المصلحة العليا للمجتمع…..”.
وفقا لهذا التحليل، كان من الممكن أن يكون أداء اليمين مكتملا إذا ما أصبحت صياغته كالتالي: “…أقسم بالله العلي العظيم بأن أقوم بمهمتي بعناية وإخلاص، وأن أحكم وفقا للشريعة والمساواة وأن أحرص على حماية المصلحة العليا للمجتمع، وأن أكتم سر المداولات، وأن أسلك في كل الظروف سلوك القاضي المستقل النزيه والوفي لمبادئ العدالة والله على ما أقوله شهيد”.
إن هذه المادة تم استنساخها من القانون الفرنسي، وتبدو صياغتها كاملة وأكثر تحديدا لصلاحية القاضي ومهامه، وانه ليس بحاجة لإعادة تذكيره بواجب القضاء وفقا لمبادئ الشرعية والمساواة، ضمن القانون ولا بالواقع، ولا يمكن أن تكون مهمته غير ذلك.
المادة 9: يجب على القاضي أن يعطي العناية اللازمة لعمله، وأن يتحلى بالإخلاص والعدل وأن يسلك سلوك القاضي النزيه الوفي لمبادئ العدالة.
التحليل والملاحظات: نلاحظ أن مجمل محتوى هذا النص، قد سبق إدماجه في المادة 4 التي تحدد أداء اليمين، حيث تتضمن نفس المبادئ و هي :” القيام بالمهمة بعناية وإخلاص وأن يحكم وفقا للشرع والعدالة، العدل، النزاهة والوفاء”. لذا نتساءل عن سبب إقرار المشرع لنص المادة 9 مادام أن محتواها مماثل لما جاءت به المادة 4 سالفة الذكر وصبغة هذه الأخيرة أقوى لأنها مدمجة في أداء اليمين.
وبالنظر للقانون العضوي الفرنسي في هذا الشأن، يلاحظ أن هذا الإجراء لا وجود له، لأن آدابه هي نفسها تلك المدرجة في اليمين المقرر بالمادة 6 الفقرة 2 التي تنص على: ” أقسم أن أقوم بجد وإخلاص بمهامي وأن أحتفظ بتقوى على سر المداولات وأن أسلك في كل الحالات سلوك القاضي الجدير والعادل.”
المادة 10: يجب على القاضي أن يفصل في القضايا المعروضة عليه في أحسن الآجال.
التحليل والملاحظات: كان من المستحسن على المشرع أن يلجأ إلى المصطلح القانوني المعروف استعماله كثيرا في تحرير النصوص، والقول في الآجال المعقولة وليس في أحسن الآجال.
وفقا لتحليلنا المتواضع، فانه لا يوجد أي تبرير لوجود هذا النص ،لأن القاضي ملزم بموجب المادة 7 باتقاء كل الشبهات والتصرفات المضرة أثناء تأديته لمهامه و ذلك بعدم حياده و إثبات استقلاليته.
كما أن المادة 8 تضيف بأن القاضي ملزم بإصدار أحكامه في إطار احترام مبادئ المساواة، وهذا يكفي لاستيعاب أنه ملزم بالتصرف بالوثيرة المطلوبة في مثل هذه المهام، وبذلك يتم تحفيزه على النطق بقراراته في أحسن الآجال. ويمكن الإشارة في هذا الصدد إلى أن فكرة تحديد الوقت تتعارض كليا مع المبادئ المشار إليها سابقا، والمكرسة لعدالة مرتقيه.
للتذكير ،فان المدونة الأخلاقية لمهنة القضاء جاءت هي كذلك تحث على نفس الأمور” أداء واجبات القاضي في الآجال المعقولة “وليس في أحسن الآجال كما نص عليه القانون العضوي للقضاء.
بالرغم من أن المادة المذكورة أعلاه تتحدث عن إصدار الأحكام في أحسن الآجال، فإن القانون المتعلق بها والمشرع أيضا لم يحددا بالتدقيق بُعد ومدة هذا المفهوم ” أحسن الآجال”، وهذا يثبت الجهل التام للمشرع لدواليب القضاء. وانطلاقا من هذه الفكرة، فإنه من الضروري التطرق إلى المنشور الذي أُرسل إلى كل المجالس القضائية في الوطن، حيث حثت فيه الوزارة القضاة على أن لا يؤجلوا القضايا الجزائية لأكثر من ثلاث مرات، و بالنسبة للقضايا المدنية خمس مرات كحد أقصى للنطق ضروريا بالحكم.
وما يمكن قوله بالنسبة لهذا المنشور رقم 1308، أنه من طبيعته أن يروج الشبهات وأكثر من ذلك يفرغ كل المبادئ المرسخة بهذا القانون من كل معانيها، لاسيما تلك المتعلقة بالالتزام بالحيادية، استقلالية العدالة، احترام مبادئ الشرعية والمساواة، الخضوع للقانون، التركيز في العمل، الصدق، العدل، النزاهة، الوفاء لمبادئ العدالة، والتصرف الملائم مع شرفها وكرامتها.
كما تشكل أيضا إخلالا فاضحا لكل من روح الدستور وروح التشريع اللذان يحددان الصلاحيات القانونية للوزير والذي ليس له أي دخل في تنظيم وتسيير الجلسات القضائية. فمن جهته ينص الدستور في أحكامه، لاسيما المادة165على “أن القاضي لا يخضع إلا للقانون”، أما الوزير من جهته، فليس له كدور أساسي إلا فيما يتعلق بسياسة حسن سير المرافق القضائية باعتبارها عمومية وتطبيق السياسة العامة للحكومة.
وبذلك يكون تدخله في كيفية تنظيم سير الجلسات وتحرير الأحكام دليلا قاطعا على تشويه ذلك المبدأ الدستوري المتعلق باستقلالية القضاء، والمطالب به من قبل كل فئات المجتمع في كل المناسبات والمكرس كذلك من قبل المدونة الأخلاقية للقاضي.
إن ذلك المنشور يندرج ضمن مجال المستحيل، إن لم نقل الخيال، إذ انه من غير الممكن أن نطالب قاض جزائي، مدني أو إداري إجلاء القضايا العالقة أمامه في هذه الظروف، خاصة إذا علمنا أن جدوله الأسبوعي يتضمن أكثر من 180 قضية جزائية، 120 قضية مدنية أو أكثر، وهذا عبر كل محاكم ومجالس الوطن، لعل هذا الأمر يثبت الوضع القضائي المرير بشكل واضح. إن هذا النوع من التصرف لا يخدم القاضي ولا العدالة في مجملها، بل يجعل من هذا المنطلق عدالة متسرعة، غير سليمة، تصدر أحكامها باستخفاف وتنتهك كل المبادئ، و هي التي من المفروض أن ترسخ السكينة والاطمئنان، المساواة، المنطق الصائب والسليم، التفكير والإنصاف في إصدار الأحكام كما يقتضيه الدستور ، القانون العضوي والمدونة الأخلاقية.
إن هذه الأحكام أصبحت فارغة من كل أبعادها ومعانيها، إذ أضحى القاضي أكثر انشغالا بإصدار أحكامه في أحسن الآجال بدلا من النطق بحكم عادل ومنصف ومسبب تسبيبا محكما.مع مخاوف مزدوجة و المتمثلة في :الخوف من ان تسلط عليه العقوبة التي اصبحت من هذا المنطلق سهلة الانطلاق وغير صعبة المنال، و من جهة ثانية التخوف من سلطة الوصاية المتنكرة.
فكيف يمكن أن نتصور تحديد جلسات المحاكمة المدنية أو الإدارية أو الجزائية أو التجارية وغيرها إلى ثلاث أو خمس جلسات، علما أن كل قضية تستوجب الطمأنينة، احترام حقوق المتقاضيين، والتطبيق الجيد للقانون؟ لذلك فمن الواجب أن لا يطبق هذا المنشور، الذي لا يمكن وصفه إلا بالخارق للمبادئ الإجرائية الأولية لممارسة الدعاوى أمام الهيئات القضائية، يمكن أن نذكر بعضها على سبيل المثال لا الحصر فيما يلي: تبادل العرائض الذي يتطلب احترام مواعيد، عدد أطراف القضية الذي يعتبر المقياس الوحيد لتحديد مدة النزاع وعدد التأجيلات وكذا كل تلك الإجراءات المتعلقة بالتدخل الفوري الممكن في أي وقت من قبل الغير الذي له الصفة والمصلحة.
في هذا الصدد، لا بد من التطرق الى المقال الذي صدر في جريدة المساء بتاريخ 14/07/2007، الذي كان تحت عنوان:” ماذا عن نوعية العدالة؟” وقد تم فيه التطرق لمجلس قضاء قسنطينة كمثال، لكثرة غرابته،وذكر فيه أن هذا المجلس قام بتحقيق رقم قياسي جدير بتسجيله بمقياس “جينيس”Guinness.إذ أصدرت الغرفة التجارية لدى هذا المجلس ما لا يقل عن 77 حكما خلال ستة 6 ساعات، بمعنى أخر فإن القضاة المكلفون بتلك الملفات قد خصصوا بمعدل 4 أو 5 دقائق وقتا لكل قضية. وإذا كان هذا ممكنا من المنظور القانوني، ففي الواقع ،إن نوعية تلك الأحكام قد أثارت غضبا بل ضجة لدى العديد من المحامين الذين وصفوا هذا التصرف بالعبث في دراسة قضايا موكليهم.
يمكن القول أن هذا الأمر يشكل انزلاقا خطيرا للعدالة في الجزائر، لأنه من جهة، يعتبر هذا المنشور بمثابة قانون واجب التطبيق، ومن جهة أخرى، فمن غير المنطقي التأكيد على إصدار أحكام نزيهة في مثل هذه الظروف. فمن الواضح أنه يستحيل على القضاة المكلفين بتلك القضايا، أن يأخذوا الوقت اللازم لدراسة ملفات المتقاضين وتقييم دفعاتهم من الناحية القانونية، وهو الأمر الذي يلحق ضررا بمصالح هؤلاء، خاصة وأن كل أنواع القضايا المطروحة معقدة. فمن الملاحظ،أن هناك نوع من التصفية المتسرعة المؤسفة للقضايا العالقة تحث تأثير الوصاية ومن المؤكد جدا أن هؤلاء القضاة قد يتصرفوا بهذا النحو خوفا من وزير العدل ومفتشتيه ، اللذان حثهم على عدم تراكم القضايا وإفراغ الملفات في الظروف المذكورة أنفا خرقا للقانون.
وقد أشار في هذا الشأن النقيب الأستاذ مصطفى لنوار أنه من المستحيل النطق بمثل هذا العدد من القرارات في وقت وجيز، إذ يتطلب الأمر ستة (6) أشهر من الدراسة على الأقل. وقد أضاف أن الغرفة التجارية ليست الاستثناء لوحدها، ففي الجزائي الأمر أكثر سوء، ويمكن ملاحظة ذلك عيانا. كما يبرر أيضا أنه ” لا يمكن أبدا تقييم نوعية العدالة بالأرقام، وأن عدد القضايا المعالجة لا يشكل معيار نجاعتها”.
يبدو أن الدليل القوي ،حتى لا نقول الرسمي على أن العدالة متسرعة فعلا، يتجلى في الإحصائيات المقدمة من قبل الوزارة والمتمثلة في أن كل القضايا العالقة أمام الهيئات القضائية، بمختلف أنواعها، لا تتعدى الآجال المعقولة، باستثناء النزاعات المرفوعة أمام المحكمة العليا ومجلس الدولة التي تبقى أرقامها جد مرعبة. وبذلك يستنتج أن القضايا العالقة أو في طور التصفية تعد قضايا جديدة، أقدمها لا يتجاوز 18 أشهر.
من الممكن أن تظهر هذه الحالة بالنسبة للبعض كمؤشر إيجابي،غير أنها تعد بالنسبة للبعض الآخر، دليلا قاطعا على أن النوعية في الأحكام ليست من جدول الأعمال القضائية هذا من جهة،ومن جهة أخرى، فإنها تزيد في تضخيم التشويه الملقى على عاتق العدالة.
كنتيجة أولية لهدا النوع من التصرف ، يلاحظ أن أغلب الأحكام الصادرة ابتدائيا، يتم الاستئناف فيها من طرف المتقاضين، وما يبقى منها تتكفل به النيابة، وحتى إن تعلق الأمر بمخالفات جزائية طفيفة حُكم فيها بغرامة مالية، وحتى بالبراءة.و هذا يعني أن جميع ممثلي النيابة يستأنفون تلقائيا كل الأحكام الصادرة احتراما لما أملته عليهم وصايتهم ومفتشيهم. وحتى في الاستئناف، يتم الطعن بالنقض في القرارات آليا، الأمر الذي يثقل كاهل الهيئات القضائية العليا، التي لا يمكنها امتصاص التأخير الثقيل عليها، وبذلك فعوض أن تقوم بدور النطق بالقانون وتوحيد الاجتهاد القضائي الذي يعتبر في حد ذاته منبعا للقانون، تحولت هذه الجهات القضائية إلى منصة للفصل في الطعون كهيئة قضائية عادية.
وللإشارة،يمكن القول بالنسبة للإحصائيات المقدمة من طرف الوزارة، أن هذه الأخيرة لا يمكن أن تكون موضوعية، بحيث أنها تشمل حتى الملفات المفصول فيها بصفة غير نهائية، ومثال ذلك:
-أحكام قبل الفصل في الموضوع بتعيين خبير مثلا أو خبرة مضادة؛
-أحكام غيابية؛
-أحكام مرفوضة شكلا.
وفي سياق أخر، تعتبر هذه الأحكام الطريق المفضل للهيئات القضائية المدنية بكل فروعها وكذا الإدارية في الحكم بها تلقائيا وبدون أن تستدعي الضرورة ذلك.
وتأسيسا لما سبق قوله، إذا اعتبرنا أن آلاف القضايا تمت تصفيتها في مثل هذه الظروف وبعدد غير كاف من القضاة،فلماذا يتقرر مضاعفة عددهم في آفاق كل سنة؟ الجواب إن دل على شيء فإنما يدل على أن كل الموازين الخاصة بعدالتنا فقدت وما بقي إلا التناقضات في المواقف في ظروف غلبت عليها التأخيرات ومرارة التقاضي. انطلاقا من هذه المعطيات، يجدر القول انه إذا أردنا عدالة نزيهة، فمن الواجب أن لا نقيس«عظمة السيدة العدالة» بعدد القضايا المصفاة، وإذا ما أراد القاضي الاقتران بالاستقلالية القضائية فقد حان الوقت أن يكف عن الهرولة وراء الإحصائيات.
إذا ما قارنا هذا الوضع مع ما هو موجود بفرنسا ، نجد ان القضاء يتسم بالهدوء والسكينة،القاعدة الأساسية لإقامة العدل، إذ يلاحظ في هذا البلد وجود قضايا تدوم عدة سنوات ولم يتم الفصل فيها نهائيا حتى الآن، وكذلك الشأن بالنسبة للقضايا الجنائية، فإن تصفيتها تأخذ وقتا أطول، فقد تصل إلى عشرة سنوات قبل الفصل فيها وحتى قبل أن تجدول في جلسة المحكمة الجنائية، وحين تتم جدولة هذه القضايا فإن سير ومدة المحاكمة تستدعي أحيانا، جلسات تدوم عشرات الأيام قبل النطق بالحكم.
إن هذا الوضع يجرنا إلى التساؤل عن مبررات عدم استنباط مثل تلك الممارسات من القانون الفرنسي حيث أن العدالة بالرغم من اكتظاظها ،فهي غير قابلة للتجاوز أو التهاون مطلقا. والكل يتفق في بلادنا عند وصف حالة عدالتنا وتقدم الإصلاحات بها، على أن السرعة في بعث عدالتنا والنطق المتسرع بالقرارات ونوعية الأحكام الصادرة ، تندرج فعلا في منهاج مضر تسوده عدالة جائرة تستدعينا بصفة مستعجلة لوضع حلول مناسبة، لإرساء قضاء عادل ونزيه.
التحليل والملاحظات: و بالمضي قدما في هذه التحاليل التي تخص الوضعية المثيرة للقضاء ،فإننا نتوقف أيضا عند مسألة أخرى تشكل آفة ليس أقل أهمية من سابقتها،وهي تلك المتعلقة بالدورات الجنائية المقررة قانونا عبر كل المجالس القضائية للبلاد. في هذا الصدد نجد أن قانون الإجراءات الجزائية نص في مادته 253على أنه:” تكون دورات انعقاد محكمة الجنايات كل ثلاثة أشهر، ومع ذلك يجوز لرئيس المجلس القضائي بناء على اقتراح النائب العام تقرير انعقاد دورة إضافية أو أكثر، إذا تطلب ذلك عدد أو أهمية القضايا المعروضة.” بالرغم من هذا النص الصريح، فإنه يعد من سبيل الاستخفاف بهذا القانون، أن يتم تقرير دورات إضافية بصفة آلية يفوق عدد قضاياها أحيانا عدد قضايا الدورات العادية. كما أن مجموع هذه القضايا الإضافية يجعل الجلسات الجنائية لا تتوقف طوال السنة.و عليه ،حتى ولو تم تبرير ذلك بالعدد الهائل للقضايا الجنائية العالقة،فان الدافع الأساسي لهذه الآفة يكمن في الواقع، في عدم تطبيق مبدأ قانوني مهم ألا وهو ” إعادة تكييف الوقائع”، او أن القاضي لا يلجأ إليه إلا استثناءا.
وحتى التجنيح الذي يعتبر إجراء قانوني هو مشكوك فيه في سلك القضاء. وبالرغم من أنه يسمح بتسوية جزء كبير من هذه القضايا الجنائية وإحالتها على محاكم الجنح، فلا يتم اللجوء إليه عند الحاجة . وبدلا من أن ينتج عن تطبيق هذا الإجراء التقليل من عدد المحاكمات الجنائية ، فعدم الأخذ به يثقل كاهلها. أن الأمر هنا يتعلق بممارسة تم تعميمها عبر كل المجالس، تضرعا بسبب زائف،يتمثل في ضرورة تنظيمها بهدف الانتهاء من القضايا العالقة، وذلك بأي طريقة كانت، نظرا لكثرة الملفات الجنائية المكدسة بتلك المجالس. وهو نفس السبب الذي استُدل به لتبرير تضاعف إنشاء عدد أقسام وغرف المحاكم والمجالس القضائية، مع أن هذا التضاعف لم يعالج إلا مشكلة الإحصائيات على مستوى قضائي معين فقط.
ويعتبر هذا دليل آخر على ما توصلنا إليه سابقا من أفكار وهو أن العدالة متسرعة، فالقاضي الذي يترأس المحكمة الجنائية يجد نفسه غالبا مطالب بتسيير قضيتين أو ثلاث قضايا جنائية وهو ملزم بالفصل فيها والانتهاء منها في اليوم الواحد. وما يحير أكثر هو أن رئيس المجلس هو الذي يحدد أمر توزيع تلك القضايا، إذ يقرر أن تعالج القضية الأولى، على الساعة التاسعة صباحا وعادة ما تكون تدور أطوارها حول القتل العمدي ، والثانية على الساعة الثانية زوالا تخص المساس بالأخلاق ،والثالثة على الساعة الخامسة مساءا وتتعلق بحكم غيابي . إن هذا الأمر يظهر في أعين كل الاختصاصيين في الممارسة القضائية كابوسا حقيقيا تم تسديده تلقائيا لإصابة مبدأ استقلالية القضاء بالضربة القاضية. أما القضاة ،فمعظمهم يتجاوب صراحة وبكل لياقة مع هذا الوضع البائس تحت طائلة التوبيخ والتعسف للوصاية. وعلى أية حال، فإن القضاة ملزمون بتنفيذ الأمر بالتفاني، حتى لو على حساب حقوق المتقاضين والمساس باستقلاليتهم وبحقوق الدفاع.
في الحقيقة، من المعروف أنه لا يمكن لرئيس المحكمة الجنائية أن يؤجل قضية حتى ولو لم تكن جاهزة للفصل لسبب ما ، كغياب الشهود أو غياب الضحية. وفي مثل هذه الحالات يقوم رئيس الجلسة بالاكتفاء بتلاوة محاضر الغائبين من شهود و أطراف مدنية ، بتعليمة من رؤساء المجالس الذين لا يتقبلون إجراء التأجيل مهما كانت أسبابه.
ويتضاعف اثر تلك الدورات التي سميت بالإضافية كممارسة غير منطقية، تستنكر كل مبادئ القانون وقيم القضاء المتمثلة في التحلي بالحكمة والرزانة، و ارساخ المفاهيم والتعاليم القضائية. وأكثر من هذا، حتى أن الطابع الرسمي للجلسات بات خاليا من ابسط قواعده، إذ استبدلت فرقة الدرك الوطني عند كل افتتاح الدورات الجنائية في زيها الرسمي بأعوان الحراسة، وهذا على حساب الهيبة الواجبة أثناء انعقاد المحاكمات الجنائية.
و يجدر التذكير بأن الطابع الرسمي والجاد للجلسات في زمن قريب، كان أكثر ممارسة، فقد كان يتم الفصل في الملفات الجنائية ذات الأهمية القصوى في الدورة من قبل رؤساء المجالس أنفسهم، وكانوا يقومون شخصيا بفتح الدورات الجنائية التي كانت عبارة عن تظاهرات فكرية وقانونية حقيقية وهم الذين يترأسون جلساتها.أما حاليا و عكس ما عرف به الأمر في السابق ، فقد فقدت قداسة التقاليد والقيم الشرفية للممارسة القضائية جراء الرداءة في الممارسات التي تكرس المستوى الدنيء لجهاز القضاء.
وفي نفس السياق، فقد تم إخفاء الطابع الشعبي للمحكمة الجنائية وذلك بتقليص عدد المحلفين من أربعة إلى اثنين فقط، وهو الأمر الذي جعل من محلفي الشعب أقلية بعدما كانوا يمثلون الأغلبية مقارنة بعدد القضاة المهنيين. وهذا الأمر يعتبر مساسا بطبيعة المحاكمة المرتكزة على الاقتناع الشخصي، وذلك بسبب جعلها بين يدي القضاة المهنيين وهم قضاة الدليل والتسبيب . بالإضافة إلى أن المشاركة بأكثر عدد من المحلفين في المحكمة الجنائية يعتبر أمرا أساسيا، لأنه يكرس شرعية الأحكام ويؤسس ديمقراطية العقوبة وسيادة الشعب. كما أن الاقتناع الشخصي هو الذي يجعل من حكم المحكمة الجنائية غير مسبب، إذ لا يحتوي مضمونه على قناعة كل المحلفين المشكلين للمحكمة الجنائية لكثرتهم، وهذا على غرار ما هو جاري بفرنسا حيث تتكون المحكمة الجنائية من تسع محلفين، وفي المجلس الجنائي نجد اثنا عشرة محلفا، وبذلك يكون القرار شعبيا.
في هذا الصدد تجدر الإشارة إلى التعديلات الأخيرة الطفيفة في بلادنا والتي تنص على ترسيخ ديمقراطية الحكم الجنائي،ونظام المحلفين الشعبيين في تشكيلة محكمة الجنايات، إذ قررت رفع عددهم إلى أربعة على مستوى محكمة الجنايات الابتدائية ومحكمة الجنايات الاستئنافية، وتبقى أحكام محكمة الجنايات تخضع لمبدأ الاقتناع الشخصي، و يقرر القانون الجديد أن يحرر رئيس المحكمة أو احد القضاة المساعدين سند تبيين العناصر الأساسية التي اعتمدت عليها المحكمة لإصدار حكمها بالإدانة أو البراءة ،كل هذا عملا بالقانونين رقم 17-06 و07 المؤرخين في 27مارس2017 .هذين القانونين هما في الحقيقة نسخة مطابقة لنسخة أصلية فرنسية تم إدراجهما في القانون الجزائري بدون عقلانية كونهما يتعارضان مع مبدأ الاقتناع الشخصي الذي يحث عليه قانون الإجراءات الجزائية.
غير أنه في معالجة قضايا الإرهاب والمخدرات والتهريب، فقد تم إسنادها إلى تشكيلة تضم قضاة فقط. هذا البند القانوني الجديد يتعارض مع مبدأ وجوبيه إصدار الاحكام باسم الشعب وجعلها ديمقراطية الأفاق كما تقتضي المادة 164من الدستور تكريسا لفكرة السيادة.
المادة 11: يلتزم القاضي بالمحافظة على سرية المداولات، وألا يطلع أيا كان على معلومات تتعلق بملفات قضائية، إلا إذا نص القانون صراحة على خلاف ذلك.
التحليل والملاحظات: ننبه في هذا الصدد أن سر المداولات قد تم إدراجه في اليمين المقررة بالمادة 04 من هذا القانون التي تنص: ” …أقسم بالله العلي العظيم…أن أكتم سر المداولات…” وكذا تضمنته المدونة الأخلاقية للقضاء بنفس الصياغة.
إن عقوبة إفشاء سر المداولات مقررة في المادة 62 من نفس القانون، التي تنص على أن إفشاء سر المداولات يعتبر خطأ تأديبيا جسيما، يتعرض مرتكبه إلى العزل. في الواقع، عادة ما يتم خرق هذا الالتزام بصفة إرادية أو غير إرادية. إلا أنه يبقى عدد الحالات التأديبية في هذا المجال غير مهم أو بالأحرى غير وارد، وهذا راجع تقريبا إلى استحالة إثبات ذلك الخرق، مما يجعل هذا البند القانوني غير صالح و قديم قد تجاوزه الزمن مما يستوجب توضيحه.

The post كل شيء عن مهنة القاضي والقضاء في الجزائر … كتاب تشريح جثة القضاء على حلقات appeared first on الجزائرية للأخبار.



source http://dzayerinfo.com/ar/%d9%83%d9%84-%d8%b4%d9%8a%d8%a1-%d8%b9%d9%86-%d9%85%d9%87%d9%86%d8%a9-%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%a7%d8%b6%d9%8a-%d9%88%d8%a7%d9%84%d9%82%d8%b6%d8%a7%d8%a1-%d9%81%d9%8a-%d8%a7%d9%84%d8%ac%d8%b2%d8%a7/

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق